لا أدري يا صديقي الشاعرالكبير، كيف تطيب نفسك، ويقرُّ ضميرك، بالكتابة عن الشّعر المنثور، في الوقت الّذي تتناثر من حولنا الأشياء كلّها، الأجساد، سقوف المنازل، أفاريز القرميد، حتّى القيم والمبادئ؟!
هذا ترفٌ لا أكاد أستسيغه، أو تقبله فطرتي!
تتحدّث عن تاريخ القصيدة النثرية وتحيلني إلى أسماء تقبع الآن في جحورها الطائفيّة، أو تضع على قلوبها أقفالاً، أن يمسّها العطف، أو يتسرّب إليها التعاطف، مع معاناة الناس وآلامهم ،فما قيمة الشّعر منثوراً كان أو منظوماً، لو خلا من بُعده الإنساني، ولم يعد يتلمّسُ أوجاع الإنسان، ويتحرّى مظلوميّته، أو يمدّ له يداً حانية، تمسح على جراحه، ولو بكلمة طيّبة؟! تتحدّث عن الكثافة والمجانية، وهل حولنا أكثر مجّانيّةً من الموت، أو أكثر من وجهه قتامة؟ وهل هناك أكثف من حضوره معنا؟ لا أدري كيف تلمّست طريقك بين سُدود الرُّكام، وكيف تسرّبْتَ خارج هذا الزّحام، لتقف على حجرٍ، رُبّما تناثر من بناية فجّرها القصف العاتي، وتتلو خطبتك العتيدة حول قصيدة النثر؟ وحتّى من على منبرك الواطئ، كيف سدّدت نظرةً أحادية، باتّجــــاه خيمــــة الشّعر، ولم تتلفّت حولك، لترى خيام اللاجئين، وأعشاش المشرّدين؟! ترى بأيّ أعين ينظُــــرُ الشّعر، وبأيّ أحجـــارٍ تبنى القصــــيدة، ومن أين تجـــمع قصـــيدة النثر حبوبها، لتنثـــرها فوق رؤوس المريــــدين؟ إن لم يكـــن من بيادرالواقع! فهل مـــن سهوب الخيال الهارب؟
أين أنا منك؟ وأين أنت منّي؟ أنا الّذي غزلت من قصائدك عشّاً، آوي إليه من قيظ الصيف أو زمهرير الشتاء، حين كان الشعر حاضراً معنا، كتفاً بكتف، وقدماً بقدم
أنا يا صديقي، أنثر دموعي كل يوم على ضريح من مات، وعلى حال من عاش، أو بقي حيّاً ليشهد على ما تبقّى،من فصول المأساة؟!
حتّى لو تماسكَتْ الدُّموع، أو رأى شاعرٌ في انحدارها، عقد لؤلؤ منضّد، تبقى الدّموع دموعاً، منثورة او منظومة! ويبقى قبر مالك قبراً لكل عزيز يضُمُّ رفات من وقفوا بوجوه الطّغاة، وعظام من قالوا يوماً «لا»! لا أرى يا صديقي كيف ترسم خطوطك وفواصلك وتعاريفك، في عرض هذا التيّار الهادرْ، وكيف ستقف أحجار القصيدة، في وجه جريان النّهر الحادرْ، إذا كانت القذائف تنسف البيوت، فالقصيدة ينسفها الإنكار، الرّموز التي سمّيتها يا صديقي أصبحت أطلالاً، رقْماً ووشماً دارساً، لا تستحق تشبيباً ولا نسيباً، فمن ذا الّذي يجرؤ على التغزّل بالخراب، إلا شاعرٌ أضاع بوصلته، أو غامت رؤيته، أو فقد بصيرته؟!
القصيدة يا صديقي بندقيّة، تضعها في يد أعزل استبيحت حرمته، أو رصاصة في جعبته، أو سهماً في كنانته! وسواء تناثر الرّصاص، أو انتظم وقعه في معزوفة رعديّةٍ مهيبة، فالأهم أن يطلق في الاتجاه الصحيح، هكذا أفهم الشّعر يا صديقي، منثوراً كان أو منظوماً!
٭ كاتب فلسطيني
نزار حسين راشد