الكل يتحدث عن الذراع العسكري لحماس وكيفية قمع إرهاب الصواريخ والبالونات، قلة يجدون الوقت للتركيز على المسألة الأخطر التي يمر بها القطاع في هذه السنوات: انفصال السكان عن حماس. هذه مسيرة متملصة، إذ من الصعب للمرء أن يراها بالعين. تصويت احتجاج مدني صامت، ولكنه زاحف، معناه أن حركة حماس، كنظام قوي، آخذة بالفقدان التدريجي لقدرة الحكم، لتحكمها بالسكان.
المحادثات التي تجري هذه الأيام عبر الوسطاء لتسوية الواقع مع إسرائيل هي بقدر كبير دعوة نجدة من حماس لنا وللعالم كله. على هذه الدعوة أن تثير اهتمام الإسرائيليين، ففي اللحظة التي تفقد فيها حماس الجمهور الغزي، فإن إسرائيل أيضًا ستفقده، إن لم تكن قد فقدته. في حماس يعرفون هذا جيدًا، ولهذا فإنهم يطالبون في المفاوضات بتسهيلات وخطوات تجلب المال النقدي؛ لأن المال النقدي يمكن حكمها، وبدونه غير ذلك. والمقصود هو الأموال النقدية التي تضمن حدًا أدنى من الحياة السليمة، ليس لأغراض الحرب. وقد طلبوا على نحو خاص من الوسطاء الضغط على أبو مازن ليعيد الرواتب إلى موظفي الحكومة، مثلما درجت السلطة على أن تدفعها منذ يوم تأسيسها. ويدور الحديث حول عشرات ملايين الشواكل الشهرية التي كان أبو مازن حرم اقتصاد القطاع منها، وبنقصها سيشعر الناس على نحو ملموس جيدًا، كم هذا ملموس؟ لقد انتقل الاقتصاد الغزي في السنة الأخيرة إلى وضع من الجفاف، فليس لدى المواطن البسيط مال في المحفظة، وما من سبيل لإنتاجه. وكنتيجة لذلك، بدأ الناس ينخرطون في أي أعمال في متناول اليد. في التسفير الخاص مثل السيارة العمومية (شيكلين للرحلة)، وبيع القهوة في بسطة في الشارع (شيكل واحد للفنجان)، ثمة عائلات تعيش بـ 200 أو 300 شيكل في الشهر.
عندما سُئل مندوبو حماس لماذا يعد إدخال المال أمرًا مهمًا جدًا لهم، اعطوا تفسيرًا عملياتيا. فالتظاهرات على الحدود لا يقوم بها نشطاء حماس فقط. فالكثير من الفتيان الذين يتوجهون محاولين اقتحام الجدار إلى إسرائيل يعملون بشكل مستقل. إذا كان ثمة تسوية، سيتعين على حماس من اليوم إلى الغد أن تمنع هؤلاء الشبان من العمل. أمعقول أن تكون هي مطالبة باستخدام القوة تجاههم؟ ولكن استخدام هذه القوة مشروع فقط إذا كان له مبرر. وبلا شرح وبلا تبرير، ستصبح حماس عدو هؤلاء الشبان، أما إذا دخل المال وأنعش الاقتصاد الغزي ـ قال مندوبو حماس ـ فسيكون الشرح ممكنًا للجمهور بالإجابة عن السؤال: لماذا يعد قمع التظاهرات ضد الإسرائيليين أمرًا صائبًا.
هذه القصة تذكر بفرار الحصان الذي حاول أصحابه ترويضه على العيش بلا ماء. فبعد أيام طويلة من الترويض، تعلم الحصان كيف يعيش بلا سوائل، تعلم، ومات.
عبيد الملك الجدد
كان لأحمد سلامة، الكاتب الأردني، نوايا طيبة، ولكن شيئًا ما على الطريق. نشر سلامة مقالاً طويلافي الصحيفة الحكومية الأكبر في المملكة، «الرأي»، وبّخ فيها المواطنين والمتصفحين ممن يشكون غياب الملك لأسابيع طويلة عن المملكة، بل وأحيانا دون أن يقول إلى أين سافر، «لماذا السؤال أين الملك؟»، صرخ عنوان المقال.
«علينا أن نصحو وأن نفتح القلب وبوابات الثقة بالتاج الهاشمي وبالوطن الأردني»، كتب سلامة بإعجاب لا مثيل له. فقد ادعى أن منتقدي الملك تبنوا تجاهه خطاب كراهية، وادعى بأنهم يعملون كعصابة متآمرة مهمتها الشقاق والتحريض. من يتجرأ على طرح أسئلة كهذه، هكذا حسب الكاتب، هو من شبه اليقين عميل إيراني، أو يسعى لإعادة التاريخ إلى الوراء، إلى العهود التي سيطرت فيها م.ت.ف على شؤون المملكة. باختصار، عصبة هي مثابة سكين في ظهر الأمة، ومن جهة أخرى ملك بريء ليس سوى ضحية. هذه ليست حوامض، بصيغة أردنية. هذا مشروع كامل لملفوفة مخللة برائحة الليزول.
نشر المقال في أربعة عواميد كاملة، في القسم الإخباري من الصحيفة. مقاطع منه صدرت في الصفحة الاولى وأبرزت في عناوين دراماتيكية. هذا الإعجاب الأعمى المطلق والفظ للملك، أثار عاصفة وسخرية لدى المتصفحين في الشبكات الاجتماعية. فقد رأى الكثيرون في الكاتب عبدًا لأسياده، ووصفوه بالعجوز وسخروا من الصحف الحكومية التي تتصدرها هذه الصحيفة اليومية.
قلت لصديق أردني أن ليس هكذا يتصرف الناس في الديمقراطية، ولكن مسموح أن يسألوا عن مكان وجود الحاكم في كل لحظة، هكذا زاودت عليه، ولا سيما إذا كثر تغيبه، وكل خطواته يجب أن تكون شفافة أمام الجمهور، استمع الصديق. وكان بوسعي أن أسمع عجلات فكره تسخر، فسأل: «ماذا تظن؟ الأردنيون مثلكم، يعرفون كل شيء. هم (الحكم) لا يمكنهم أن يخفوا عنا شيئًا. ادخل إلى الشبكات الاجتماعية واقرأ»، أفحمت. ولكني تغلبت على ذلك وسألت: «أتظن أن الحكم لا يعرف كل هذا؟ فهو لا بد أن يجمع الأسماء أيضًا»، فأجاب: «أعرف، ولكنهم يحذرون، فالثقة بين القصر والجمهور في أسفل الدرك في كل الأزمنة». ولعل هذا يشرح الحاجة العاجلة لمقال كاتب الرأي الرسمي. الأحصنة هربت، وملزمون بإعادتها إلى الإسطبل.
اعرف عدوك
لم يتكاسل المتصفح السعودي عبد الرحمن القحطاني، فقد جلس وكتب تغريدة غاضبة في حسابه على «تويتر»، كان هذا بعد حادثة وقعت يوم الجمعة الماضي، في بطولة أوكرانيا للشبيبة في بدمنتون. لقد وصل إلى الربع النهائي ثنائي يضم مكسيم غرينبلت، بطل إسرائيل للشبيبة، رفض الثنائي السعودي المباراة مع الإسرائيلي وعاد إلى الديار.
كتب قحطاني بعبرية نقية اللغة التي تعلمها في جامعة في مدينته الرياض: «انسحاب اللاعبين السعوديين من المباراة في أوكرانيا بسبب اللاعبين الإسرائيليين هو سلوك مغلوط وانهزامي، لكن الكثير من السعوديين عارضوه، ينبغي أن نعلم بأن إسرائيل ليست عدونا، عدونا هو النظام الإيراني فقط».
«الإسرائيلي مد يده، والولد رفض. خجلت»، كتب متصفح سعودي بالعربية. «سلوك جعلنا مضحكة في نظر الآخرين»، أجابه القحطاني.
في الغداة، يوم السبت، كرر السيناريو نفسه في ساحة أخرى. في بانكوك جرت بطولة العالم في الملاكمة التايلندية للشبيبة، والممثل الإسرائيلي، عميت مداح، وصل إلى النصف النهائي وهناك انتظر العراقي محمد عدنان، لكن عدنان قرر الانسحاب، أو أن مدربيه قرروا عنه. وبعد ذلك نشر اتحاد الملاكمة العراقي ثناء لعمله هذا، وجاء في البيان: «التنازل أهم من الميدالية، هو وسام شرف».
هناك في العراق كان من أيد هذه الخطوة، ولكن الأغلبية بالذات عارضت، فقد عقب المتصفح أحمد الحاجم فقال: «غباء، هذا سلوك كان مناسبًا قبل 50 سنة. الرياضة تقرب بين الشعوب وتنشر بشرى السلام». علي جبوري شك في الدافع. «يبدو لي أن قوة المتنافس الإسرائيلي هي السبب الحقيقي». وكتب معاذ محمد أمين يقول: «قرار غبي، لا يجب خلط السياسة بالرياض».
قبل أن تعلمنا هاتان القصتان شيئًا ما عن الموقف في إسرائيل، بوسعهما أن تشهدا كم يحق للمواطن العربي أن يعبر عن رأيه بحرية. يحتمل أن يكون العرب في الماضي أيضًا فكروا بهذه الطريقة، بعد استعراض احتجاجي لرياضي يمثلهم، ولكن كان محظورًا عليهم أن يقولوا ذلك. أما الرياضيون أنفسهم ممن قالوا لا للتنافس مع الإسرائيليين، فقد عملوا بمبادرة شخصية وليس بأمر من فوق، هذه حرية أيضًا.
هل ثمة شهادة على أن العرب يهجرون التضامن مع الفلسطينيين؟ واضح أنه لا. ولكنهم يكتشفون، ببطء وبالتدريج، أنه يمكن دعم الفلسطينيين دون مقاطعة الإسرائيليين، هاكم مثالًا، في ذاك الأسبوع الذي قاطع فيه الملاكم العراقي النزال للإسرائيلي في تايلندا، زار المنتخب الشاب للعراق رام الله في مباريات ودية لكرة القدم. ذهبوا إلى الحرم، حلوا ضيوفًا على أبو مازن، وبعد ذلك على رامي الحمد الله، رئيس وزراء السلطة. وفي الملعب هزموا الفلسطينيين 3:0 ولكن الحمد الله خرج عن طوره ليشكرهم، وقال لضيوفه إن «كل زيارة كهذه ترفع معنوياتنا، هذه زيارة السجناء وليس تطبيعًا مع السجانين».
معاريف 10/8/2018