«قطر لا تطالب بأن تكون لاعباً رئيسياً على الساحة الدولية، لكن ومنذ منتصف التسعينات تبنت حكومتها سياسة الباب المفتوح التي تركز على بناء علاقات، والتوسط في حل النزاعات، وهو ما استفادت منه قطر وكذلك المجتمع الدولي. سياسة الباب المفتوح هذه سمحت لدولة قطر بأن تعمل كوسيط في المحادثات، وفي التعاون والنهوض بالسلام».
لعل هذا المقطع الذي ورد على لسان وزير الخارجية القطري الأسبق وزير الدفاع الحالي خالد العطية لموقع «سي إن إن» يختصر السياسة الخارجية القطرية الرامية إلى اتخاذ موقف الوساطة والمبادرة إلى حل الأزمات في المنطقة.
وفي الوقت الذي تواصل فيه قطر تصديها للحصار المضروب عليها من الأشقاء بتعزيز اللحمة الداخلية وتحقيق الاكتفاء الذاتي وبناء شبكة علاقات دولية بهدف الحفاظ على قرارها السيادي، في ظل هذه الظروف الصعبة تموضعت قطر في رعاية مباحثات غير مباشرة بين حكومة الاحتلال وحركة حماس تشترك كذلك مصر في رعايتها.
السفير محمد العمادي رئيس اللجنة القطرية لإعمار قطاع غزة، يقود المفاوضات الهادفة إلى معالجة الأوضاع الإنسانية في القطاع، ويؤكد في تصريحات نقلتها «الجزيرة» الإنكليزية الثلاثاء 17 تموز/يوليو الماضي، أن لدى الجانب الإسرائيلي وحركة حماس فهم ضمني لتفادي تصعيد قد يؤدي إلى حرب شاملة في القطاع عبر رسائل «كنا ننقلها لحماس والإسرائيليين كانت صحيحة، لأن قطر تتمتع بمصداقية وتحظى باحترام الجانبين».
ولئن كان سقف طموحات الرعاية القطرية للمفاوضات لا يرتفع إلى مستوى الوصول لحل جذري للصراع والاكتفاء بإرساء أسس هدنة لمدة عشرة أعوام على أقصى تقدير، إلا أن فترة كهذه لا شك أنها ستصب في مصلحة القطاع المتضرر، ولذا لا تمانع حماس وحركة الجهاد الإسلامي وكذلك الجانب الإسرائيلي في قبول التهدئة بعيدا عن التصعيد العسكري. ويبدو أن الهدف الإسرائيلي من قبول الوساطة القطرية هو الضغط على حماس لفرض هدنة طويلة الأجل في مقابل مكاسب سياسية للحركة وأخرى اقتصادية تركز على تحسين الأوضاع الإنسانية المأساوية التي يعاني منها سكان القطاع.
تركز قطر على إعادة إعمار القطاع وبناه التحتية التي خربتها سلسلة من الحروب الإسرائيلية على غزة، وتشمل الكهرباء والماء والتعليم والصحة وخلق فرص عمل وتطوير شبكات الاتصالات وتعزيز مصادر الثروات السمكية وإنعاش السياحة وجوانب أخرى تمس حياة السكان اليومية في القطاع.
وتنسق قطر مع حركة حماس للضغط على إسرائيل عبر الوسيط القطري للقبول بهدنة تستجيب لشروط الحركة مع زخم مضاف يمثله تصعيد «تحت السيطرة» من خلال مسيرات العودة الكبرى وإطلاق الطائرات الورقية، مع استغلال قضية الأسرى الإسرائيليين في سجون الحركة كورقة هي الأهم من الأوراق التي تملكها حماس.
وهل يمكن النظر إلى الشراكة المصرية مع قطر في لعب دور الوسيط مع حكومة الاحتلال بحسن نية؟
الواقع أن النظام المصري يحاول إفشال إتمام الهدنة بين حركة حماس وإسرائيل، انطلاقا من رؤيته أن اتفاقا كهذا سيكرس شرعية الحركة المحسوبة على الإخوان المسلمين العدو اللدود للنظام المصري، كما أن الهدنة قد تنسف جهود الوساطة المصرية للمصالحة بين حماس والسلطة الفلسطينية التي تحاول مصر من خلالها تقويض سلطة الحركة وجعلها تابعة لسلطة رام الله مع مكاسب سياسية ضئيلة في إطار شراكة في الحكم تضمن احتواء حماس وعودة حكومة الوفاق الوطني إلى القطاع.
الهدنة في حقيقتها لم يتم الاتفاق والتصديق عليها بشكل رسمي حيث ظلت في إطارها الشفهي الذي يتيح لطرفيها سهولة التنصل منها متى ما وجد أي طرف منهما عائقا أمام تحقيق أهدافه أو أنها تلحق ضررا بمصالحه.
ويؤكد قادة حماس حتى بعد إعلان الحركة قبولها بالهدنة أن دماء أطفال غزة لن تذهب هدرا ولن يفلت العدو من العقاب على أيدي المقاومة، وستكون الحركة بالمرصاد طالما ظلت إسرائيل تسعى لفرض معادلاتها في قواعد الاشتباك.
تصريحات حماس تزامنت مع تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي اشترط توقف إطلاق البالونات الحارقة قبل الموافقة على الهدنة أو وقف إطلاق النار.
الهدنة التي نجحت قطر في التوصل إليها بين حركة حماس واسرائيل ليست الأولى، وقد لا تكون الأخيرة.
لأكثر من مرة فرضت مصر عبر وساطة غير مباشرة بين حركة حماس وإسرائيل الهدنة بين الجانبين، كان آخرها هدنة أيار/مايو الماضي التي لم تصمد سوى أيام قليلة انتهت بتصعيد متبادل بين طرفيها استجابة لحسابات سياسية تخص كلا منهما.
الخيارات البديلة عن هدنة طويلة الأجل المتاحة أمام حركة حماس قد لا تتعدى تصعيد حدة الاشتباكات والدخول في حرب شاملة غير ملائمة للحركة في الوقت الحالي، والتي لم تعد الظروف الإقليمية في صالحها حيث يتم تضييق الدعم عليها والإمعان في حصارها.
ثمة خيار آخر قد تضطر حماس إلى القبول به في حال فشلت جهود الوساطة القطرية في فرض الالتزام الإسرائيلي بالهدنة الراهنة، ويتمثل في القبول بالجهود المصرية للمصالحة مع السلطة الفلسطينية وإعادة حكومة الوفاق بما تعنيه من قبول حركة حماس بالشراكة الثانوية في السلطة وإدارة القطاع.
استمرار نجاح الهدنة عبر الوسيط القطري لفترة معينة تتيح بناء نوع من الثقة بين الحركة وإسرائيل سيعطي الطرفين مساحة أوسع لتخطي سقف التفاهم والدخول في عمق ملف الأسرى الذي لا تزال حركة حماس تتمسك بعدم التفاوض عليه في المرحلة الراهنة، بانتظار تحقيق مكاسب سياسية وتخفيف الحصار على سكان القطاع والمبادرة بحملة جدية لإعادة الإعمار لتمكين الحركة من التفاوض ضمن سقف أعلى في تحرير أكبر عدد من الأسرى في سجون الاحتلال، ومنهم مطلوبون أمنيون ترفض إسرائيل التفاوض عليهم حتى الآن.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن هناك ما يشبه الاتفاق بين إسرائيل من جهة، ومن جهة ثانية حركة حماس ومصر، تمت بلورة مفاهيمه خلال زيارات عدة لقادة من الحركة إلى القاهرة في الأسابيع الأخيرة.
ستكون الأمم المتحدة مسؤولة بشكل كامل عن المشاريع الكبرى في حين ستتولى مصر الإشراف ومراقبة التنفيذ، بينما تتولى دول خليجية مثل قطر والإمارات وبعض دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مسألة التمويل للمشاريع التي تقدر بنحو 650 مليون دولار دون أي تدخل مباشر من حركة حماس أو السلطة الفلسطينية.
وسبق لإدارة الكيان الصهيوني المُحتلّ، أن عرضت إنشاء ميناء بحري في جزيرة قبرص تابع لغزة مقابل تسليم رفات الجنديين الإسرائيليين هدار غولدين وأورون شاؤول، والإفراج عن إسرائيليين اثنين تحتجزهما حماس ما زالا على قيد الحياة، لكن الحركة رفضت ذلك ما لم يتم الإفراج عن معتقلين أمنيين تابعين للحركة أعيد اعتقالهم بعد الإفراج عنهم بموجب صفقة جلعاد شاليط 2011 حسب تصريحات الوسيط القطري السفير العمادي.
ويتعرض سكان غزة لضغوط غير محتملة في الجانب الإنساني بعد قطع الولايات المتحدة المساعدات المقررة للأونروا والتي كانت تقدر بأكثر من 300 مليون دولار سنويا. وتشير بعض الأرقام إلى أن أكثر من 1.3 مليون فلسطيني يتبعون لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين في القطاع، ويشكل هؤلاء أكثر من 70 في المئة من مجموع سكان القطاع يقوم على رعايتهم 13 ألف موظف في الوكالة يعملون من داخل القطاع.
أجندات سياسية مختلفة لعدة أطراف في قضية الهدنة والمصالحة معًا في انتظار قطر، فهل تنجح في التعاطي معها؟ هذا ما تجيب عنه الأيام المقبلة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
11HAD
احسان الفقيه