قطر طرف في عملية «عاصفة الحزم» وتستبعد الاجتياح البري وعينها مفتوحة على المفاوضات السياسية

حجم الخط
0

الدوحة ـ«القدس العربي»: مشاركة قطر في عملية «عاصفة الحزم» التي تقودها المملكة العربية السعودية بمساندة دول خليجية وعربية وإقليمية جاءت كمحصلة لفشل الخيار السياسي والجهود الدبلوماسية التي تابعتها على مدى فترة طويلة مع مختلف الفاعلين وعلى رأسهم المبعوث الأممي جمال بن عمر الذي زار قطر والتقى المسؤولين المحليين لأكثر من مرة. الدوحة التي كان يفترض أن تستضيف جولة مفاوضات بين الفرقاء اليمنيين للتوقيع على أي اتفاق في الرياض وجدت نفسها في خيار دعم الاتفاق الخليجي في المشاركة في العملية العسكرية ضد الحوثيين ومن يساندهم من أطراف يمنية وإقليمية. ومن اللحظات الأولى للعاصفة أعلنت قطر مشاركتها في العملية ووقعت مع الدول الخليجية الأربع بيانا مشتركا حددت فيه أسباب الحملة والتحرك ودوافعه والنتائج المرجوة منه وملابساته.
الدوحة التي ساهمت بمقاتلات من طراز «ميراج داش 5» الفرنسية الصنع وطائرات نقل استراتيجي ودعم لوجيستي لا تعتبر الوقت مناسبا لأي تدخل بري أو اجتياح ميداني وتركز على خيارات أخرى. وترى قطر أن الرهان على تدمير الدفاعات الجوية للحوثيين وحلفائهم هو الأولوية في الظرف الراهن قبل المضي في البدائل الثانية بعد استكمال المسارات المحورية. وتحمل قطر جماعة أنصار الله، الحوثيين، والرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح المسؤولية عن التصعيد الذى جرى مؤخرا في اليمن وأدى إلى حدوث هذا المأزق. ومؤخرا قال الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في كلمة أمام مؤتمر القمة العربية أن مخرجات الحوار الوطني الذي تم وفقا للمبادرة الخليجية وبرعاية الأمم المتحدة كانت تشكل أساسا متينا لمرحلة جديدة في اليمن على أساس المشاركة بين جميع الأطياف على النحو العادل والمتكافئ. وأكد أن الأحداث الأخيرة التي قامت بها جماعة أنصار الله الحوثية وبالتنسيق مع الرئيس اليمني السابق هي اعتداء على عملية الانتقال السلمي في اليمن وتفرغ نتائج الحوار الوطني من مضمونها وتصادر الشرعية السياسية وتقوض مؤسسات الدولة. ودعا كافة الأطراف والقوى السياسية إلى تغليب مصلحة اليمن وشعبه واحترام الشرعية المتمثلة في الرئيس عبدربه منصور هادي وحكومته المعترف بها من المجتمع الدولي بسحب الميليشيات من مؤسسات الدولة والأماكن العامة والعمل على استكمال تنفيذ العملية السياسية. ويأتي هذا الموقف متماهيا مع الموقف الخليجي ومتوافقا معه في كافة تفاصيله باستثناء التدخل العسكري. وكشف اللواء الركن حمد بن علي العطية، وزير الدولة لشؤون الدفاع القطري، «إن دول الخليج اتخذت قرارها ببدء العمليات في اليمن عندما نفدت كل الوسائل لإقناع الحوثيين بالعودة إلى طاولة المفاوضات» مشيرا إلى أن تدخل دول إقليمية في الشأن اليمني «لن يزيد الأمر إلا تعقيدا».
وقال العطية: «إن الجانب الحوثي أصر على الاستمرار في مخططه المتمثل في تجاهل السلطة الشرعية المنتخبة في اليمن وزعزعة الأمن والاستقرار هناك، ولم يكتفِ بذلك، بل بدأ في تهديد أمن واستقرار بعض دول المنطقة ومنها السعودية، وهو ما دفع مجلس التعاون لاتخاذ قراره المتمثل في القيام بعمل عسكري في اليمن حفاظا على المنطقة». وذكر أن الطائفة الشيعية جزء لا يتجزأ من التركيبة السكانية لدول المنطقة، مستبعدا أن تكون العقيدة الدينية سببا في عدم الولاء للوطن، مضيفا: «إن العدل والمساواة في كل شيء واحترام معتقدات الآخرين كفيل بالاحتفاظ بالولاء للوطن، وهو ما ينطبق على السنّة والشيعة على حد سواء». وشدد على أن إيران دولة كبيرة وجارة في المنطقة، وقال: «نتعامل مع إيران على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل طرف، مع احترام سيادة كل دولة على أراضيها». واستطرد وزير الدولة لشؤون الدفاع القطري: «يمكن أن يكون هناك اختلافات في بعض وجهات النظر، ولكن ذلك لا يؤثر على احترام كل طرف لسيادة الطرف الآخر، وهو المبدأ الذي يجري التعامل فيه مع إيران وغيرها» مبينا أن دول المجلس كفيلة بأن تحافظ على مصالحها وتمنع أي تدخل في شؤونها الداخلية من أي طرف كان. وأشار إلى أنه زار السعودية – أخيرا – والتقى الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز وزير الدفاع، بتكليف من الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر، وناقش اللقاء العمليات العسكرية الجارية وخصوصا الضربة الجوية، علاوة على الجهد الجوي المطلوب لهذه العملية وتنسيق ذلك الجهد بين الأطراف كافة المشتركة في العمليات، مؤكدا أن الضربات تسير حسب ما هو مخطط لها، وتحقق الأهداف المرسومة لها للوصول إلى الحفاظ على وحدة الأراضي اليمنية وحماية الشعب، ومنع أي تدخل خارجي يهدف إلى زعزعة الأمن في تلك البلاد. وأعلن اللواء العطية عن وجهة نظر بلاده بخصوص مستويات التدخل. وأكد «أن التدخل البري في اليمن ليس واردا في الوقت الحالي»، مضيفا: «نعتقد أن الدعم الجوي المقدم للقوات المسلحة الشرعية في اليمن سيكون كافيا للسيطرة على مفاصل الدولة كافة»، مشددا على أنه «في حال اتخذ قرار سياسي للقيام بأي عمل آخر فإن قطاعات القوات المسلحة كافة في قطر ستكون في خدمة الأشقاء في عملية عاصفة الحزم».
وقال إن دول التحالف لديها آليات لجمع المعلومات المتعلقة بالأهداف العسكرية وهي المستهدفة في تلك العمليات، إضافة إلى أن الأسلحة والذخيرة المستعملة للعملية الحالية شديدة الدقة، كذلك تفادي الأحياء السكنية والتركيز على المعسكرات والتجمعات العسكرية، وهو ما يجعل المدنيين بمنأى عن الضربات. ولفت وزير الدفاع القطري إلى أن اتفاقيات دفاع مشترك تربط بين دول مجلس التعاون، تنص على أن أي اعتداء على أي دولة يعتبر اعتداء على جميع الدول، مبينا أن تلك الاتفاقات قد طبقت في أزمات حدثت في الماضي، وأضاف أنه ليس هناك أدنى شك بأن دول المجلس لن تتردد في الدفاع عن بعضها تحت أي ظرف وبغض النظر عن نوع التهديد ومن أي اتجاه.
ويرى باحثون في مركز الجزيرة للدراسات الذي يتخذ من العاصمة القطرية الدوحة مقرا له في وثيقة عمل عليها فريق متخصص في الشأن اليمني اطلعت عليها «القدس العربي» أن هذه الأزمة بمختلف أبعادها، وعلى خلفياتها السياسية والاجتماعية وأدوار الأطراف المختلفة فيها، ليست يمنية خالصة وإنما إقليمية أيضا، وأنه من الصعوبة بمكان أن تنجح قوى خارجية في السيطرة على البلد». وسلطت الورقة البحثية الضوء على الفضاء المجتمعي الذي حدثت فيه الأزمة مشيرة إلى إن البلد يتناوشه مشروعان عائليان : الأول استدعاء الإمامية بقيادة الحوثيين والآخر المشروع العائلي للرئيس المخلوع. وأضافت أن هذا الأخير قوض التركيبة المجتمعية من خلال استدعاء القبائل وتهميش القوى الوطنية وتسريح أبناء الجنوب من الجيش بعد الوحدة. واعتبر الباحثون أن «عاصفة الحزم» ربما تكون نقطة تحول للعمل العربي والإقليمي تجاه اليمن ومحاربة الطائفية فيه واستيعاب الوضع القبلي وإدماجه في الدولة. وركزوا على مواقف دول مجلس التعاون الخليجي من الحرب التي قررت «عاصفة الحزم»، حيث أن توقيت العملية جاء قبل يوم من اجتماع مجلس الجامعة العربية وعلى أبواب انتهاء مفاوضات حساسة بين القوى الدولية بشأن البرنامج النووي الإيراني. وتحدث الباحثون عن شرعية العملية العسكرية التي جاءت من أربع نواح وهي الفصل السابع في ميثاق الأمم المتحدة والمادة (5) من ميثاق الجامعة العربية ومعاهدة مهام قوة التدخل السريع العربية والطلب الرسمي للتدخل العسكري من قبل الرئيس الشرعي عبدربه منصور هادي. واعتبرت الورقة أن تفرد سلطنة عمان بإحجامها عن المشاركة، يأتي على خلفية تتبع سياسة خارجية قائمة على النأي بالنفس والشريط الحدودي الطويل الذي يربطها بإيران وعلاقتها المميزة مع طهران. وسلط خبراء المركز الضوء على مواقف الأطراف العربية الفاعلة من العملية، والتي أدخلت ثلاثة اعتبارات وهي: إعطاء الأولوية لوقف التدخل الإيراني في المنطقة بدلا من التركيز على محاربة تنظيم الدولة، والدفاع عن شرعية الأنظمة، والمبادرة إلى التدخل بدلا من مجلس الأمن. ورأى الباحثون أن موقف رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بقي مرتهنا لإيران رغم محاولته الانفتاح على تركيا، أما الموقف السوري فيبدو أنه سيشهد دخولا سعوديا محتملا لحل الأزمة بالتعاون مع تركيا بدلا من الأولوية السابقة المتمثلة بمحاربة تنظيم الدولة. وفيما يخص الموقف المصري فإنه لكي تندمج في التحالف الجديد فإنها قد تجد نفسها مطالبة بتقديم تنازلات في الحرب على الإسلام السياسي. وأعد الورقة البحثية أربعة من الباحثين من مركز الجزيرة للدراسات وهم مدير مكتب الجزيرة في اليمن سعيد ثابت وأستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة صنعاء د.عبد الباقي شمسان والباحثين في المركز د.جمال عبد الله وحواس تقية.

سليمان حاج إبراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية