قطر: من الدفاع إلى الهجوم؟

حجم الخط
18

قدّم خطاب أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في كلمته أمام افتتاح الجمعية العامة للأمم المتحدة أول أمس الثلاثاء تصوّراً شاملاً حول وضع بلاده بعد إعلان الدول الأربع، السعودية والإمارات والبحرين ومصر، حصار بلاده في 5 حزيران/يونيو الماضي (الذي هو، بالمصادفة (؟)، يوم ذكرى الاعتداء الإسرائيلي الشهير على العرب عام 1967)، وقد أطّر الأمير هذه الأزمة ضمن رؤية عالمية وعربية متكاملة.
إلى إجابته على أهمّ الأسئلة المطروحة على الشعب والقيادة السياسية في قطر، في ظل ظروف غير مسبوقة، وإعلانه عن ثوابت تمّ تأكيدها سابقا، فإن الخطاب يقدّم بعض المعطيات الجديدة التي يجب الانتباه إليها، وخصوصا عندما نقارنه بخطابه العام الماضي الذي ركّز فيه آنذاك على الأزمات الإقليمية في فلسطين وسوريا واليمن وليبيا.
أول المستجدّات في خطاب الأمير كان حثّه الأمم المتحدة على «فرض الحوار والتفاوض قاعدة لحل الخلافات من خلال إبرام ميثاق دولي بشأن تسوية المنازعات بين الدول بالطرق السلمية»، ولتدعيم رأيه أشار إلى كوارث هائلة عانتها البشرية كالحرب العالمية الثانية ورواندا وبوروندي والبلقان في القرن الماضي، عادت جرائم الإبادة الجماعية هي القاعدة لا الاستثناء، منبها إلى تطرّفين كبيرين: الأول قيام دول باحتلال أخرى، والثاني الوقوف موقف المتفرج من جرائم ضد الإنسانية، بحيث أن الشعوب التي تتعرض للقمع تواجه مصيرها وحدها، وما على الدول التي تتعرض للتهديد إلا تدبر أمورها عبر علاقاتها وتحالفاتها في غياب نظام لتطبيق القانون الدولي.
وبعد هذا التمهيد الذي يصيب بسهامه إسرائيل وبعض الأنظمة العربية، وانتقالة معبّرة للتعاطف مع أقلية الروهينجا المسلمة في ميانمار، تحدّث الأمير بصراحة شديدة عن تعرض بلاده لحصار جائر فرضته «دول مجاورة»، فجأة ومن دون سابق إنذار «ما حدا بالقطريين لاعتباره نوعا من الغدر»، متهما «من خططوا ونفذوا» أنهم تصوروا أن تحدث هذه الخطوة صدمة تؤدي «لتركيع دولة قطر واستسلامها لوصاية شاملة تفرض عليها»، كما تحدث عن استعداد إعلام الدول الأربع لحملة جاهزة «انتهكت فيها كل القيم والأعراف والأخلاق»، وقد زادت، بحسب الأمير، الأكاذيب والافتراءات للتأثير على الاقتصاد والمجتمع القطريين، واصفا ذلك بالجريمة المبيتة التي تلتها قائمة إملاءات تمس بالسيادة، وأن دول الحصار استخدمت الضغط بالدواء والغذاء وصلات الرحم على المدنيين القطريين محاولة زعزعة الاستقرار السياسي وهو، ما كان برأيه، أحد تعريفات الإرهاب.
أشار الأمير كذلك إلى انتهاكات تلك الدول لحقوق الإنسان في العمل والتعليم والتصرف بالملكية الخاصة لمواطني مجلس التعاون الخليجي والمقيمين على أراضيها التي جرت بسبب حملة الحصار، وإلى أن تلك الدول استهدفت مواطنيهم أيضاً بالحبس والغرامة لمجرد التعبير عن التعاطف مع قطر في سابقة غير مشهودة، وأشار إلى دعم هذه الدول لأنظمة الاستبداد «التي يتخرّج الإرهابيون من سجونها».
لم يكتف خطاب أمير قطر، عمليّاً، بإبداء صراحة واضحة في وضع النقاط على الحروف مع دول الحصار الأربع، ناقلاً بلاده، بذلك، من تلقّي الحملات وابتكار الحلول لإفشال مفاعيلها، إلى كشف السياسات المناوئة والردّ عليها في الأمكنة والأوقات المناسبة، ولكنّه أيضاً وضّح الخيط الذي يكشف علاقة ما فعلته دول الحصار ببلاده بمنظومات الاحتلال والاستبداد والإرهاب والتي تكشّفت عن دائرة واحدة تتغذّى أطرافها من بعضها البعض، من دون أن يفلت، رغم كل ذلك، شعرة معاوية مع تلك الدول التي أخرجت كل ما في حوزتها من أفعال منكرة.

قطر: من الدفاع إلى الهجوم؟

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية