قطر والتحالف الرباعي… صلح اضطراري

حجم الخط
2

انصرم ما يربو على الشهرين منذ أن ضرب الرباعي المعروف الحصار على قطر في الخامس من حزيران/يونيو العام الجاري. ومنذ ذلك الحين والحراك الدبلوماسي على الصعيد الأوروبي والأمريكي الخليجي لم يهدأ. بيت الأربعة النية أن يضربوا هذا البلد الصغير الكبير في مقتل، فكان ظنهم أنه سريعا ما سيركع، ثم يستغيث فيملوا شروطهم فيستجيب ويخنع بعد أن أغلقوا دونه البر والماء والهواء. إلا أن قناة «الجزيرة» أقلقتهم وكشفت عن مآربهم.
أغرتهم تصريحات «ترامب» الرعناء فكانت بمثابة ضوء أخضر فأقدموا على قرار أهوج. فلما جد الجد استنكرت غالبية الكتلة الأوروبية قرارهم المتعجل وجاء الدعم لقطر من كل حدب وصوب، ولم يؤيد موقف المحاصِرين إلا مجموعة من دول هامشية لا أثر لها على خريطة السياسة الدولية.
أدارت قطر الأزمة على أعلى مستوى من الحكمة والروية. فما لبثت أن أوجدت البدائل الاقتصادية والتجارية في تركيا وإيران وماليزيا والصين والهند وغيرها. فكان ذلك بمثابة خسائر لشركات سعودية وإماراتية كانت هي المورد الرئيسي للمواد الغذائية وغيرها. ثم لجأت قطر إلى المنظمات الدولية فألزمت «المنظمة الدولية للطيران المدني» (أيكاو) الدول الأربع بتخصيص مسارات للطيران القطري عوضا عن تلك التي أغلقتها. ومازالت هناك قضايا مرفوعة ضد دول الحصار جراء الخسائر المعنوية والإنسانية التي سببها والذي لم يدرس بحكمة. أرسلت الإدارة الأمريكية مؤخرا كلا من «تيموثي ليندركنج» نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون الخليج والجنرال المتقاعد «أنتوني زيني» للدفع في اتجاه جلوس الطرفين إلى مائدة المفاوضات علاوة على جهود ولي عهد الكويت «أحمد جابر الصباح» الذي أرسل مؤخرا رسائل خطية إلى جميع الأطراف. ولكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه : هل يتم صلح بين الأربعة المتحالفين على حصار قطر من جهة ودولة قطر من جهة أخرى؟ من المرجح أنهم إما عاجلا أو آجلا سيصلون من خلال المفاوضات إلى صلح ما. ولكن هل سيكون صلحا خالصا بريئا خاليا من الضغينة؟ لا أظن أن الأمر سيكون كذلك. سينتهي الأمر بهم إلى صلح لا يخلو من الضغينة في الطوية.
سيجلس الفرقاء إلى طاولة المفاوضات وسيضغط كل طرف ليخرج بقدر أكبر من الإنجازات لصالحه، فيضغط تحالف الأربعة ليحصل على أكبر سقف من التنازلات القطرية، وستقاوم قطر وتتشب لتقبل بأقل قدر من «المبادئ الستة الأساسية»، فتعلن عن تأكيد التزامها بمكافحة الإرهاب ومنع تمويله. ثم قد يتفقون على وقف أعمال التحريض المتبادلة مع تمسكها «بالجزيرة» وأخواتها التي لن تتوقف عن كشف سوآتهم، وستعلن عن تمسكها باتفاق الرياض لعام 2013 ومخرجات القمة العربية الإسلامية الإمريكية 2017. وقد تعلن أنها لم ولن تتدخل في الشؤون الداخلية للدول المحاصِرة، وسيخرج الجميع وقد صافح بعضهم بعضا، وستهدأ الأمور حينا من الدهر لا يمكن التكهن به، وسيظل ما في القلب هو كما هو.
ومما يدفع المحاصِرين إلى مائدة المفاوضات أن لا نصير لهم على الساحة الدولية منذ أن فاجأوا العالم بهذا الحصار الغاشم. فغالبية بلدان كتلة «اليورو» هي أقرب إلى دولة قطر منها إلى التحالف الرباعي. وكذا الحال في الإدارة الأمريكية سوى «ترامب» الذي لم يستطع أن يملك زمام نفسه فيغرد بتصريحات حمقاء يبذل رجاله الذين يبدو أنه خولهم حرية التصرف في هذه الأزمة، التي كان هو نفسه أحد بواعثها، قصارى جهدهم لتأويل تغريداته على غير معناها حتى ينقذوا الموقف. ومما يدفع بهم إلى مائدة المفاوضات تقارير دولية واستخباراتية تتوارد تؤكد تورط هؤلاء الأربعة في تمويل الإرهاب أو غسل أموال هنا أوهناك، منها امتناع «تريزا ماي» رئيسة الوزراء البريطانية عن نشر تقرير يثبت تورط السعودية في تمويل عناصر إرهابية في بريطانيا ثم آخرها تقرير منظمة «بازل» الذي أدرج الإمارات في المرتبة الأولى للدول التي تقوم بغسل الأموال وتمويل الإرهاب، ويأتي من بعدها في ترتيبات متوالية السعودية ثم البحرين ثم مصر.
المشهد صراع بين حق وباطل، فئة باعت قضايا الأمة في سبيل السطوة والسلطان وفئة – لا أقول مثلا أعلى في الحق والإنصاف – ولكن تنزع إلى نصرة الحق وإنصاف المقهورين في «غزة» وفي «بورما» وكل الشعوب العربية المطحونة. فكثير ما تناضل عنهم في المحافل الدولية وفي الأمم المتحدة ومجلس الأمن فتكشف الستر عن الخونة والمستبدين.
ولطالما فضحت الحكام المهرولين المرتمين في أحضان الكيان الصهيوني اللئيم. أنت إذن بين أيديولوجيتين مختلفتين متضادتين لم ولن يتفقا: أيديولوجية أعلن سفير أحد دولها في الولايات المتحدة «إنهم والحلفاء الثلاثة الآخرين يسعون في غضون عشر سنوات إلى الوصول بحكوماتهم إلى حكومات علمانية تحقق الأمن والاستقرار». وأيديولوجية تنافح عن تيارات إسلامية «كحماس» و«الإخوان» وكل من يدافع عن الهوية الإسلامية وقضايا العروبة والإسلام فكيف يتفقان؟ إلا على مضض.

كاتب من مصر

قطر والتحالف الرباعي… صلح اضطراري

محمد زوام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية