بين القنوات الإخبارية، كنت أتنقل متيقظ الحواس، منتبها ومشحونا بين حدثين.. فكنت أتابع بذهول وصدمة انفجارات باريس التي أشعرتني أن البلل وصل لذقوننا، حيث نعيش، وأتابع بقليل من الأمل وكثير من اليأس قمة العشرين في تركيا.
الحركات المسرحية لم تغب عن مشاهد قمة العشرين، بإخراج تركي متقن، ومن بينها تلك المنصة الرئيسة التي استقبل عليها رجب طيب أردوغان ضيوفه، وقد وقف في منتصفها متسيدا المشهد والصورة.
للصورة دلالاتها التي تحمل رسائل كثيرة.. لكن، للصدف رسائلها التي تحملها أيضا.
فجأة، وفي لحظة كانت خشبة المنصة المسرحية المعدة لأردوغان وعبور ضيوفه خالية من الجميع، مرت ثلاث قطط التقطتها جميع العدسات والكاميرات الموجودة. مرت القطط متتابعة (بكل ثقة واعتزاز بالنفس).. وعبرت من طرف المنصة إلى الطرف الآخر.
المشهد، أعطاني الأمل.. لأسباب لا أعرفها. ولأسباب لا أعرفها أيضا قمت من مكاني لأبحث في أرشيفي عن قصيدة لمظفر النواب عنوانها «من عالم القطط».
تلفزيون على هامش الأحداث
طبعا في ظل هذه الظروف العصيبة، وحماية للأعصاب من التلف، والحالة النفسية من الإنفلات، فلا بد من فواصل ترفيه بين الفضائيات.
من جملة ذلك، بينما أتابع صباحا الأخبار، أتوقف هنا أو هناك بين قنوات أصنفها تحت مسمى (على هامش الأحداث) وطبعا يتسيد التلفزيون الأردني تلك القائمة.
برنامج يوم جديد، يستضيف خبيرة تغذية، لتتحدث عن مرض السكري في اليوم العالمي للسكري، وهذا موضوع مهم برأيي، وبجدية.. فأنا وبعد انتكاسات وعثرات ما بعد الأربعين، صرت مهتما بمواضيع الصحة، وعليه استوقفني الموضوع، وبدأت بالإستماع للخبيرة التي أشغلتني أكثر بصياغاتها التي اعتمدت المزج بين الانكليزية والعربية، وهو ما جعلني أفقد التركيز على المحتوى.
طيب، أنا محظوظ أني أتقن الإنكليزية، لكن هذا تلفزيون أردني محلي، أغلب مشاهديه مواطنون أردنيون أفترض وجود عدد كبير منهم لا يعرف الإنكليزية!! فلماذا التعالي والفوقية في لغة الخطاب؟
الخبيرة تتحدث عن «الميدل إيست» وقد استعصى عليها أن تقول الشرق الأوسط، وتقول أيضا «إذا عملنا منجمنت للغذاء» كأن عبارة إدارة التغذية صعبة على الفهم، لتنهي حديثها بقولها إنه لا بد من وجود «أويرنس أكثر»..كأن التوعية غير مفهومة.
سيدتي الخبيرة.. سادتي في التلفزيون الأردني، «الأويرنس» له أصوله أيضا!
لا تتذكر كم مرة تزوجت!
«100 سؤال» .. هو اسم برنامج على قناة «الحياة» المصرية. والمئة سؤال هذه المرة تم توجيهها للفنانة الراقصة الممثلة الأكاديمية بحر العلوم مقطوعة الوصف دينا..
دينا، لا تتذكر عدد المرات التي «تزوجت» بها.. لكنها أدخلت تصنيفا جديدا في عالم الزواج العربي، فبعد ما تعرفنا على الزواج العرفي، وهو غير الزواج الشرعي، وطبعا هناك الزواج المدني، وكذلك زواج المسيار وغيره من أنواع الزواج.. لكن دينا، وفي معرض نفيها أنها عقدت زواجا عرفيا على أي من أزواجها «وهم كثر»، أوضحت أنه كان زواجا بوجود محام، ليتم اختصاره إلى «زواج بمحام»، وهو يختلف عن زيجاتها الأربع الشرعية.. كما أفادت جمهور الأمة العربية المتلقف لتلك المعلومة بكثير من الإمتنان على الفائدة فيها.
طيب.. أمام الـ 100 سؤال، عندي سؤال واحد فقط لتلك المحطات: ما الفائدة؟
توريط المصريين والسوريين
وعودة للفاجعة الباريسية الأخيرة، والتي كان الإعلام بكل جيوش محلليه جزءا من عملية التحقيق في دوافعه وأسبابه.
الإعلام، كان يلتقط التسريبات، أي تسريبات ممكنة قد تصدر عن محققين رسميين بمستويات عالية أو ربما تسريب من عامل إنقاذ ساهم في إخلاء المصابين والجثث، أو حتى تمرجي عابر في غرف الطوارىء قد يدلي بمعلومة تزيد الإثارة في القصة.
وأي شيء يمكن أن يزيد الإثارة أكثر من مزيد من الربط بين سوريا والهجمات؟ أو توريط مصر مثلا؟
فبدلا من انتظار التحقيقات، سارع الإعلام إلى بث خبر العثور على جوازي سفر أحدهما مصري والآخر سوري في موقع الحادث!!
الجواز المصري ثبت أنه لأحد ضحايا الإرهاب، من المصريين المتواجدين في المكان، وتلك الحقيقة لم تجد مكانها في العناوين الرئيسة في ما بعد.
أما الجواز السوري، فتوحي التحقيقات والقرائن العديدة أنه مزيف، وغير حقيقي، وهو ما تثبته قدرة العديد من الصحافيين الغربيين، الذين استطاعوا إصدار جوازات سفر سورية بحفنة من الدولارات أو اليوروهات.
لكن، بيان تلك الحقيقة أيضا غير مهم فيما بعد.. فالمهم ، الإثارة.. وزيادة التحريض.
هذا نوع من الإعلام المتكالب على الإثارة لا الحقائق، موجود في الغرب لا في العالم العربي وحسب، ولا أستغرب أن نقرأ يوما عن عثور المحققين على «مرطبان مكدوس تخليل حي الميدان» بجانب جثة أحد المنفذين.. وهات حلها.
رحم الله قناة عرفت قدر طاقاتها
وبعيدا عن السخرية، وبكل جدية ..تبقى قناة «دويتشة فيله» الألمانية ببثها العربي الأكثر احتراما للعقل ببرامجها المنتقاة بعناية، فهي لا تنافس في بث الأخبار، بل تعرضها كما وردت بعد تحرير موضوعي ومهني، وهي لا تركز إلا على التقارير الصحافية المشغولة حسب الأصول.
شعار القناة الجديد مثير ولافت فحواه أن موادها «تم إنتاجها للعقول». وهو ما ينطبق فعلا على تقاريرها وريبورتاجاتها الصحافية، وبرامجها التوثيقية المحكمة.
أمام هذه الحرفية وسياسة «رحم الله قناة عرفت قدر طاقاتها» نجد قنوات فضائية «عربية» تمد أرجلها خارج مساحة اللحاف الذي يغطيها، فننتهي ببرامج حوارية، ضيوف الحوار فيها عابروا طريق أمام مبنى القناة، يبدو أن المعدين التقطوهم وأقنعوهم بعد توسل أن يفرغوا ساعة من وقتهم للثرثرة على الهواء.
وهذا ما نشاهده في قنوات «عربية» طارئة على الفضاء العربي، تعتقد أن الصياح والشتائم والسباب على الهواء، كلها تشكل عناصر نجاح إعلامي جاذب للإعلانات..
الكارثة، أن لهذه القنوات متابعين فعلا!
كاتب أردني يقيم في بروكسل
مالك العثامنة