يتمنع العمل السردي «قطعة ناقصة من سماء دمشق» (دار ممدوح عدوان 2015) عن السُّكنى في رفٍّ خاص، معلناً ولاءً فنياً لنمط أدبي، يمنح القارئ تصوراً مسبقاً للأرضية مناط قراءته. قد يرجع هذا الإحجام عن التصنيف إلى رغبة لدى رائد وحش في إزاحته لعتبة الجنس إلى قول النص المتضمن، النص ذاته الذي يتنفس من سيرة الكاتب الشخصية، متعقباً تغريبته المتجددة، العابرة للمنافي؛ من نكبة الخروج الأول/ فلسطين، إلى حرقة الخروج الثاني/سوريا.
سوف لن يستسلم النص هنا لمنطق البوح السيري، حين يتجزأ إلى مقاطع تكاد تنبت من سياق ثابت، لتتشكل – قريباً- في هيئة أقاصيص مكثفة، تقف على معنى من معاني الردم، أو إعادة الردم. لن تصير الأقصوصة، هي الأخرى، خالصة لنوعها، لأسباب أهمها، تدخل الشعر في انكتاب اللغة: «الموت مطلق الحياة»، «لا تقوى عليك العيون إلا مغمضة»، «مشى شجاعاً بكامل حفاء قلبه»، «لأنك امرأة الغد أتسلح بقنديل كاز قديم وأعبر النفق»، انطفأ القنديل.. انطفأنا.. واشتعل الجنون». وزد على ذلك، حضور الشعر ذاته، كما في استلاف قطعة من قصيدة أمل دنقل ص53، ناهيك عن اندلاق مشهد سينمائي باذخ الشعرية من فيلم «الصمت» لمخرجه الإيراني محسن مخملباف ص11-12.
من قال إن الأشياء إذا تجاوزت حدها انقلبت إلى ضدها، سيجد نظيراً لها، حكمة متطرفة الجنون، توزعت على 113 صفحة، من القطع المتوسط. صفحات استضاف فيها رائد وحش من النكتة الجنسية، وبذاءة الحشّاش، والمواقف التي يختلط فيها الرعب بمغامرة ملاحقة وجه عذب، بهوية مزورة. كأنَّ الشغل السردي هنا لا يرمي إلى التأريخ للثورة السورية وتطوراتها المتلاحقة، بمقدار ما يجتهد في إسقاط الهيبة عن الموت، حدّ الموت ضاحكاً، عوضاً عن الموت واقفاً، كما في القول الشائع. ويمكن حمل حكايات حياة «قديسة المضافة» عن عضو زوجها الذي لا يني إنهاكها حتى خلال مواسم الجنائز، وتفاصح الميجر (عضو في المضافة)، وهو يوجّه معول حفار القبور في جنازة عازف اليرغول: «لا تعامل الحفرة بفجاجة، عاملها برومانسية، فاليوم ندفن فناناً» ص 53، على مقدرة الإنسان على السخرية من الموت بكوميديا الحياة، وإغاظته بغرائز الرغبة.
اللافت في هذا العمل السردي إعراضه عن الشخصيات العامة والنخبة المثقفة، ليحملق في تفاصيل حياة البسطاء، وقاطني المخيم بالأخص، فعلى رؤوس هؤلاء تقع فداحات الحروب، وقد وقعت فعلاً.
تلتقط «قطعة ناقصة من سماء دمشق» حياة البقالة (دكانة صبحي)، الصامدة، بل المُنتعشة، في زمن الموت العادي، كما لم تفعل في زمن السلم. ويصور مشهد عبور الحواجز التي قد لا تأخذ من وقتك فقط، بل تأخذ من روحك أيضاً.
ليست الأشكال الأدبية وحدها، من تتشابك في قطعة الجمر هذه، بل المشكلات العربية هي الأخرى، تتنادى معلنة كثافتها المأساوية؛ العراقي الذي هرب من هجير الموت قنصاً أو انفجاراً، ليس بمنجاة من رمضاء الهلاك. ومن قبله الفلسطيني، المجرّف من تاريخه، إلى مخيمات اللجوء. هكذا إذن؛ الموت العربي واحد وإن تبدلت الأوطان. فلسطينياً، إذ تتطاول أزمنة الهجرة، «يكمل المخيم تحوله إلى إنسان»، دلالة أليمة على حفرة التغريب من جهة، وفشل الدولة القطرية في إدماج سكان المخيم ضمن نسيج مجتمعها، تحت سقف المواطنة. ولعلها النقمة ما يجعل أحد الساهرين في المضافة، ينفجر نبوءة «يا جماعة اللعنة التي أصابتنا ستصيب العرب، ثم تصيب العالم. هذا العالم سيذوق طعم لعنة فلسطين» ص.33. وإذ يبتعد الكتاب السردي عن رخاوة الجنائزي ومنطق الضحية، فإنه يتقي ما أمكنه ذلك، الشيطنة المطلقة لنظام قد يتسلح بأدوات إنسانية خائفة، أو خضعت لتلقين العنف (برميلاً فبرميلاً). وهو الحذر نفسه من مخالب الثورة التي قد تدمي أبناءها إن لم تلتهمهم. ستحضر هذه المعادلة في لحظة تهريب السارد لنفسه: «حين جاءت ساعة الصفر التي رتبها الأصدقاء، كان علي أن أركب في سيارة رقيب في الجيش النظامي، سوف يبرز بطاقته السحرية عند كل نقاط التفتيش، وستمر بسلام حتى يسلمني إلى إحدى كتائب المعارضة عند الحدود اللبنانية كي يكملوا بي الرحلة. هكذا إذن.. النظام أوصلني إلى الحدود، والثورة أكملت بي الطريق..!». ص 109، خارج سوريا وفلسطين طبعا..!!
كاتب مغربي
محمد باللعزيز