كما المياه التي ضربت قاربها المتهالك وكادت أن تغرقه وهو يحمل 20 لاجئا في اتجاه اليونان قبل عام، دفعت يسرى مارديني بذراعيها في سباحة الزحف على البطن وتموجت كفراشة داخل الماء في دورة ريو دي جانيرو للألعاب الأولمبية لعام 2016.
تختصر قصة يسرى، التي وصفتها صحيفة «الإندبندنت» الإنكليزية، بأنها صاحبة أكثر القصص روعة وغرابة، من ضمن كل المشاركين في الأولمبياد لهذا العام، تعطش شعب للحياة.
ففي هذا الوقت من العام الماضي، كان ضوء الأمل المتبقي، بالنسبة ليسرى، ينبعث من على متن قارب مطاطي يحمل 20 شخصا بدلا من 6. صعدت إليه هي وشقيقتها، بعد أن فرتا من دمشق إلى لبنان، وانطلقتا إلى تركيا في رحلة شاقة عبر المتوسط لمحاولة الوصول إلى اليونان. وبعد أقل من نصف ساعة من انطلاقه، بدأ الماء يملأ القارب، قفزت يسرى وشقيقتها وثلاثة أشخاص آخرين في البحر من أجل أن يظل القارب طافيا فوق المياه وأمسكوا في الحبال المتدلية من جوانبه، محاولين دفعه لأكثر من ثلاث ساعات، حتى وصل إلى شاطئ جزيرة لسبوس اليونانية. ولكن يسرى وشقيقتها قررتا مواصلة السباحة وواصلتا بعدها رحلة برية طويلة للنمسا، ومنها إلى برلين حيث عاشت الأختان وتعلمتا السباحة على يد مدرب ألماني بهدف التأهل لدورة الألعاب الأولمبية في 2020. حلمت يسرى، ذات الـ18 عاما في المشاركة الأولمبية منذ أن قررت اللجوء في ألمانيا. وبعد أن كونت لجنة الأولمبياد للمرة الأولى فريقا من اللاجئين يتكون من سباحين من سوريا وعداءين من جنوب السودان وإثيوبيا ولاعبي جودو من جمهورية الكونغو الديمقراطية ليشاركوا في أولمبياد ريو 2016 تمكنت يسرى من الانضمام إلى الفريق.
لم تكن يسرى تعلم أن رحلتها المأساوية ستوصلها إلى الأولمبياد الصيفي في ريو دجانيرو وتحولها من لاجئة تتموج في عرض البحر للوصول إلى اليونان إلى منافسة في سباحة الفراشة في فريق الأولمبياد للاجئين، هي التي لا تشارك في المنافسة تحت علم بلدها، وإنما تحت علم البعثة الأولمبية للاجئين وضمن منتخب من اللاجئين يضم 10 رياضيين. تصدرت يسرى السبت الماضي المجموعة الأولى للسباحة في تصفيات سباق الـ 100 متر فراشة، وفازت بسباقها بزمن 1:09.21 دقيقة على الرغم من أن وقتها لم يضعها في الـ 16 الأسرع، بعد حلولها في المركز الـ41 في المجمل، ليؤهلها لنصف النهائي. وخاضت بعدها 100 متر سباحة حرّة يوم الأربعاء ولكنها جاءت في المركز قبل الأخير بالترتيب النهائي للتصفيات لتودع بعد هذا السباق أولمبياد ريو.
”تغمرني سعادة هائلة بعد كل هذه الرسائل وحملات الدعم والتشجيع”. بهذه العبارة اختصرت يسرى لـ»القدس العربي» فرحتها بإهتمام وتعاطف الجمهور. وقالت، بعد خروجها من المنافسة يوم الأربعاء، «الكثير من الناس أرادوا التقاط صورة معي، إنه أمر جميل، لأنه يساعد على إرسال رسالتنا إلى العالم، ويثبت للجميع أن اللاجئين يمكن أن يحققوا انجازات. الشيء الوحيد الذي أنا متأكدة منه الآن هو أنني أريد مواصلة السباحة ومواصلة دعم اللاجئين».
ووصفت يسرى شعورها بالفخر لحظة خروجها لحفل الافتتاح وسماعها الهتافات الصاخبة. «شعرت بالرغبة في أن أرقص، وأنا لا أجيد رقص السامبا، ولكن قد أفكر في أن أتعلم. الرقص السوري يعتمد على الوركين والمعدة. لذا عليك أن تكون سباح فراشة ماهرا لتكون راقصا جيدا.»
يذكر أن يسرى كانت تشدد خلال فترة المنافسة إنها تحتفظ بعقلية إيجابية على الرغم من التدقيق الإعلامي على الحرب بالتذكير بأشياء جيدة عن سوريا، وبالتفكير في مشجعيها، وهو موقف عكسه أيضا السباح السوري رامي أنيس الذي قال للصحافيين إنه يفضل الإجابة على أسئلة متعلقة «بالمستقبل والبطولة» بدلا من التحدث عن الماضي المظلم.
وقالت بعد احتلالها المركز 41 في الترتيب العام لتخصص سباحة الفراشة: «كنت أعلم بصعوبة المهمة. هدفي الرئيسي هو أولمبياد طوكيو 2020. أُريد أن أستمر في التدريب حتى يتسنى لي الظهور بشكل أفضل بعد 4 سنوات من الآن ولكن ليس بمثل هذا البطء. أريد المنافسة على ميدالية، ولذلك يتعين علي بذل المزيد من الجهد والعمل” مضيفة أنها تتمنى أن تكون مشاركتها ساعدت على فتح عيون العالم على محنة النازحين والمشردين.
جذبت يسرى من خلال كفاحها، تعاطف الجمهور الذي راح يهتف لها بحماس شديد حتى بعد خروجها من المنافسة واستحوذت على اهتمام إعلامي كبير بمجرد خروجها من حيز السباق حيث تسابقت وسائل الإعلام بشكل هائل للحصول على تصريحاتها. ونشرت الجهة المنظمة للأولمبياد شريطا طوله نصف دقيقة يصور قصة يسرى ورحلتها من البحر إلى الأولمبياد.
وأشار المدرب سفين سبانيكربس إلى أن يسرى وشقيقتها تحرزان تقدما مذهلا، رغم أن فرصة اعتمادهن كسباحات في أوروبا ليست قوية، لكن يسرى تحمل في نفسها طموحا كبيرا، حيث صرحت قائلة: «ربما عندما أتعلم اللغة الألمانية سأعود إلى الدراسة، أريد أن أكون قائدة طائرة، وأريد أن أصل إلى الدورة الأولمبية في رياضة السباحة».
وإلى جانب طموح يسرى، تكافح شقيقتها الكبرى سارة بغية جلب بقية أفراد العائلة إلى ألمانيا.
ولا تعرف مارديني بعد تحت أي علم ستشارك في أولمبياد طوكيو 2020 .
وأشارت «لا أعرف إذا ما كنت سأنافس لصالح سوريا أو ألمانيا، اللجنة الأولمبية الدولية تساعدنا كلاجئين، سوريا وألمانيا بمثابة الوطن بالنسبة لي، واللجنة الأولمبية الدولية أصبحت وطني أيضا، لدي ثلاثة أوطان».
ريما شري