جلسات الاستماع العلني لضحايا انتهاكات عهدي الراحل الحبيب بورقيبة والمخلوع زين العابدين بن علي، التي تشهدها تونس منذ الخميس الماضي، جديرة بالاهتمام وجاءت في وقتها على الرغم من تأخرها زمنيا. إنها نقطة مضيئة في بحر من الظلام الدامس، على الرغم من محاولة الطعن فيها والنقائص التي يحاول البعض رصدها (قرأت هنا وهناك داخل تونس أن التجربة فيها كذا عيوب ونقائص)، وعلى الرغم من مخاطر تلوثها بالسياسة.
أتاحت لي الحياة في لندن الاستماع عن قرب إلى حجم وشكل التنكيل الذي مارسه نظام بن علي بحق خصومه. ثم اكتملت الصورة من متابعتي الجلسات العلنية هذه الأيام وشهادات وردت على لسان الضحايا من خلال بث مباشر في التلفزيون الحكومي التونسي. (كان ذلك في جلسات أدارتها باقتدار سهام بن سدرين التي كانت هي الأخرى، بشكل من الأشكال، إحدى ضحايا الانتهاكات والقمع الممنهج).
كثير من ممارسات شرطة بن علي، كما وردت في شهادات الضحايا وذويهم، مفزعة وترقى إلى درجة عليا من السادية والتوحش، وتجعلك تتساءل ما الذي يجعل ضابط شرطة أو حرس وطني ينكل بمواطن مثله بتلك الوحشية فقط لأنه يختلف في تفكيره أو رؤيته للحياة مع من نصّبوا انفسهم «أسيادا» على ذلك الوطن المسكين.
تجربة الاستماع فريدة من نوعها عربيا. سبقتها تجربة المغرب التي أدارتها هيئة الإنصاف والمصالحة في 2004. لكن التجربة المغربية كانت حذرة ومحتشمة.
من أسباب ذلك الحذر والاحتشام أنها كانت الأولى من نوعها، وأن الجلاد المستهدف بالمحاسبة (المعنوية على الأقل) هو الملك الراحل الحسن الثاني. ناهيك عن أن في مجتمعاتنا «لا يجوز في الميت إلا الرحمة»، الرجل والد ملك اليوم، ما أدى إلى فرض رقابة ذاتية اضطرت لها الأطراف المعنية بالعملية. كما أن العملية ركزت على الجوانب السياسية في الانتهاكات، وأهملت الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، التي لا مفر منها لأنها، أولاً، من أوجه العقاب الذي تلجأ إليه الأنظمة العربية، علاوة على كون هذه الجوانب ضرورية عند جبر الضرر لتمكين الضحايا وذويهم من ترميم ما تبقى من حياتهم المسروقة إلى السجون والقبور.
هنا تنفرد تجربة تونس، وإن تشابهت تجربتا القمع والديكتاتورية في البلدين: رئيس الجلادين (بن علي) على قيد الحياة يتابع من بعيد، وزبانيته هنا وهناك من حول مؤسسات الحكم الجديدة وبعيداً عنها. أيضا، رئيس الجلادين لم يترك ما يشفع له أو يؤسس رقابة ذاتية عند الآخرين. ولم يترك من يدافع عنه بقناعة واقتدار عدا زبانية يبيعونه بلا تردد عند اللزوم.
حتما لن تعيد جلسات تونس عزيزا قضى في ظلام الزنازين. ولن تعيد سنوات ضاعت من زهرة العمر. ولن تصلح عطبا أصاب جسداً وهنًا إلى الأبد. قد لا تتحقق العدالة لضحايا القمع في تونس لأسباب موضوعية تتعلق بحداثة التجربة وقدرة مؤسسات الحكم على إنفاذ القانون بعدالة وتوازن وبلا مخاطر الوقوع في مظلمة.
كل هذا وارد، لكنه لا يجب أن يُنقص من قيمة ما فعلت تونس. التجربة تفرض الاحترام وتستدعي التأمل. حتى لو لم تنته إلى نتيجة ملموسة، لا عاقل يجرؤ على الطعن فيها. يكفي أنها علاج لثكالى يعانين في صمت منذ عقود، ولأيتام حُرموا من الأب ثم زيد على ذلك أن حرمهم الجلادون عمداً حتى من حق معرفة كيف قـُتل والدهم تحت التعذيب، وزوجات تعرضن للابتزاز الجنسي والتهديد والمساومة عندما ذهبن للاستفسار عن مصير أزواجهن.
ويكفي أن التجربة درس في التاريخ لأجيال من التونسيين وغير التونسيين يؤسس لمستقبل لن يكون أسوأ من الماضي في هذا المجال. من عليه أن يتعلم منها فليتعلم، ومن أراد أن يتأمل فليتأمل.
يكفي كذلك، وهذا مهم جداً، أن التجربة تعرِّي الجلادين ورعاتهم. ليس ضروريا أن يُسجَنوا جميعا. وليس مطلوبا سحلهم في الشوارع. ولا يجب أبداً أن تبدر دعوات الانتقام منهم. يكفي أن الشهر المقبل سيشهد جلسات علنية يعتذر فيها بعضهم لضحاياهم، وهذا وحده يكفي.
والأهم من كل شيء أن يكون جلادو الأمس دروسا وعِبرا لمشاريع جلادي المستقبل كي لا يفكروا في ارتكاب ما ارتكب أسلافهم المرضى النفسيون.. للأطباء الذين زوروا محاضر الوفيات وشهدوا بالزور ورفضوا تقديم مساعدة إنسانية ـ تفرضها أخلاق مهنتهم والأعراف ـ لسجين ناله تعذيب شديد.
هذه الجلسات هي أيضا رسالة عرفان وإنصاف لمجتمع مدني من محامين وصحافيين وفنانين ومثقفين وحقوقيين ونقابيين، رجال ونساء، ظن بعضهم في لحظات الإحباط واليأس (كما قال لي أحدهم يوما) أن ليل تونس لن ينجلي أبدا. لكنه انجلى.
حق لهؤلاء الذين شهّر بهم نظام بن علي وقطع أرزاقهم وطعن في شرفهم وكرامتهم وابتزهم ولفق لهم الاتهامات، ولاحق بعضهم حتى في منافيهم، حقّ لهم أن يفتخروا. بل حق لتونس كلها أن تفعل.
صحيح أن هذه الجلسات مسرحها تونس، لكن فوائدها أبعد من تونس وعلاجها سيشمل جروح تونس وغير تونس.
٭ كاتب صحافي جزائري
توفيق رباحي