قلب مفتوح

حجم الخط
0

كوبنهاغن – أحمد سليمان: أستيقظ فجراً في الصالون وكتفي يؤلمني من ضربة ما. أستيقظ في السيارة تحت حبات المطر تطرق الزجاج حالماً بها في المنام أنها زخّات رصاص. أستيقظ على سروال مبلول. أستيقظ من يد غريبة تصفع خدي. ومهلوساً بثلاجة تعنّ، تسيح دماً من أكياس دجاج مثقوبة. أستيقظ في أماكن غير التي نمت فيها، أفعل أشياء غريبة بلا وعي مني. أستيقظ ونسيم يدخن دامع العينين على الأريكة بجانبي.
الأرق عملاق ينام معي في كل مكان معانقاً رقبتي. لا يدعني أنام أكثر من سُويعاتٍ قليلة. عواقبها وخيمة. مؤخراً تغير كل شيء. الأمور ليست على ما يرام، أصبحتُ قبيح الوجه. شفتي السفلى انتفخت كبراطم الجَمل لكثرة ما ألعقها من التوتر. صفّ أسناني الفوقي هجم للأمام بشكل بارز. بشرتي طفحت فجأة بالبثور والفطريات. هالات سوداء أحاطت عينيّ. ونحلتُ جداً لدرجة صرت أستحي أن يرى الناس وجهي وجسدي. وأتحاشى الاختلاط والكلام مع أي شخص غير نسيم.
منذ شهر عدت للتدخين بشراهة، وشرب كميات كبيرة من الكحول يومياً، ثم الاستيقاظ مرعوباً لا أعرف من أنا، ومراتٍ لا أتذكر اسمي. لم آخذ الأمر على محمل الجد.
نصحني نسيم بكل حب وعطف أن أذهب للطبيب، لكنني لم أجد داعياً لذلك. تأسفت له كثيراً مما يحدث موضحاً له أنها مصاعب التأقلم مع الوضع في الغربة هنا، وأريته كريمات علاج الوجه والبشرة، متسائلاً أيضاً عن رأيه بفكرة تقويم الأسنان، فضحك. بحتُ له كم أحس بالخوف والقلق، وعن رغبتي بأن أصلي وأقرأ القرآن. «أنت نجس الآن، لم تطرح بعدُ ما شربته من السكوتش، وبكل الأحوال لن يتقبل الله الصلاة من أشخاص مثلنا»، قال بصوته المزكوم ضاحكاً كعادته. شردتُ في وجهه هنيهة، طلبت منه سيجارتين، ورحلت. لسوء الحظ وقتها انزلقتُ بطبقة الجليد المتشكّلة على الرصيف، وتكسّرت نظّارتي، ولحسن الحظ أنني لا أعاني من نقص شديد يمنعني الرؤية دون نظارات. أكملت المشي بحثاً عن وسيلة نقل في هذا الصقيع، كان الضباب كثيفاً يغطي الأشياء البعيدة، ولم تصدف عيني أحداً يسير في الشارع العام رغم أن الليل في أوله.
سيارات قليلة كانت تمرّ، لم أصدق في البداية. السيارات يقودها أفراد عائلتي. كل سيارة يقودها واحد منهم. يمر قربي وينظر نحوي بعبوس مرعب. جميعهم يركبون سيارات سوداء غير معروفة. لا اسم لها ولا نمرة. أمي، أبي، أخي جمال، ويوسف، وحسين، وأختي نائلة. تسارع نبضي. لم أخف كثيراً. كنت أدرك أنها هلوسات من أعراض عدم النوم. رن هاتفي، الرقم مجهول، رددت. المتصل يخشخش بأكل خيارا أو جزرا، يضحك بحرفي الهاء والخاء، يقول بالعربية: أيها اللوطي، أنا بعرف وينك، بعرف وينك. انتابني الشلل، تخشّبت أطرافي ولم يطاوعني جسدي على الحراك. بدأ الثلج ينهمر. لطمتُ وجهي لأصحو. هرولت بسرعة إلى محطة الباص. وصلت إلى منتصف تقاطع طرق. السيارات السوداء نفسها وجدتها مصطفة هناك، تنتظرني، جاءت واحدة أخرى من خلفي وأغلقت عليّ المخرج الوحيد من هذه الدائرة. يركبها عمي أبو عمر، الذي كلمني على الهاتف منذ قليل، الذي وشى بي لأهلي وفضحني، الذي اضطرني لترك بلدي والسفر إلى هنا مع أشباح عاري كي لا تطارد من باتوا يعرفون حقيقتي. نزل أبي وإخوتي من سياراتهم، بأياديهم سواطير طويلة مريعة. يقتربون تجاهي. تنزل أمي وأختي ترشقانني من بعيد ببيض. الثلج عمّ المكان بالأبيض، عدا سياراتهم ما زالت سوداء اللون لم تتأثر ببياض الثلج. انفجرت باكياً، وجثوت على ركبتيّ أمامهم، لم يقولوا شيئاً، أحاطوا سواطيرهم حول عنقي، وقتلوني.
استيقظت متأخراً قرب نسيم. نصفَ نائم نصفَ صاحٍ. نسيم مائل برأسه لليسار، لم يكن يضحك كعادته، السكين بيدي. تقطر دماً ساخناً كحليب طازج على قميصه الداخلي الذي كان أبيض ونظيفاً البارحة. فمه مفتوح كأنه معلق بشيء ما. متأخراً استيقظت، لم ألحق نفسي، ولم ألحق كلماته الأخيرة.

قلب مفتوح

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية