قلت للرئيس السيسي

حجم الخط
21

أشهد أن الرئيس عبد الفتاح السيسي لم يغضب، وظلت ابتسامته الذكية تشرق في وجهه، إلى أن انتهيت من مداخلتي الصريحة القصيرة، في لقاء جمع سيادة الرئيس مع كبار الصحافيين ورؤساء التحرير.
كان الرئيس السيسي قد أشار إلى دور الرئيس الأسبق أنورالسادات، ووصفه بأنه كان يفكر «خارج الصندوق»، عندما ذهب إلى عقد ما تسمى معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، بدت إشارة الرئيس كأنها نوع من الامتداح، أو هكذا تفهم في سياقها، وهو ما دفعني ـ في مداخلتي القصيرة جدا ـ إلى إشارة معاكسة بالضبط، فقد قلت ان السادات هو الذي صنع انحطاط مصر التاريخي المتصل لأربعة عقود خلت، وذكرته باعتقاده الذي عبر عنه مرات، وهو أن انهيار مشروع النهوض بدأ بعد حرب 1973، وأن البلد «وقعت» في الثلاثين سنة الأخيرة، ولم تتسع إشارتي لما هو أكثر بحكم الوقت المتاح، فقد يكون السادات فكر «خارج الصندوق»، كما قال الرئيس السيسي، لكن تفكير السادات جعل مصر خارج التاريخ، فليس كل تفكير خارج الصندوق مما يصح له أن يمتدح دائما، فثمة تفكير خارج الصندوق يدهش ويبني ويثير الحماس ويجمع كلمة الخلق، وقد كان دور عبد الناصر كله «خارج الصندوق»، الذي أريد لمصر أن تحجز فيه، وكان الإصلاح الزراعي وتأميم قناة السويس وبناء السد العالي والتمصير والتصنيع والتحولات الاجتماعية والثقافية الكبرى في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، كانت تلك كلها مظاهر لخروج مصر من صندوق التخلف، وبناء نهوض جبار، مكن مصر من عبور هزيمتها الفادحة في 1967 إلى النصر في حرب 1973، وكانت مصر ـ حتى حرب 1973 ـ رأسا برأس مع كوريا الجنوبية في التنمية والتصنيع والاختراق التكنولوجي، بينما خرجت مصر من سباق الأمم الحية، بعد أن سكتت المدافع، ودخلت في مرحلة انحطاط تاريخي، نزل بها إلى موضع المنافسة مع بوركينا فاسو على مؤشر الفساد الدولي، وكان الانحطاط المريع قد بدأ في أعقاب حرب 1973، وبخيانة السياسة لنصر السلاح، وبانفتاح «السداح مداح»، وبدعوة السادات المفتوحة إلى مزاد «النهب العام»، وبقولته الشهيرة بالعامية المصرية «اللي مش هيغتني دلوقتي مش هيغتني أبدا»، وبتبريره للتبعية المذلة على طريقة قوله «ان 99٪ من أوراق اللعبة بيد أمريكا»، وبديمقراطية «المفارم» التي كان يفاخر بها، وبوصفه لانتفاضة الشعب في يناير/كانون الثاني 1977 بأنها «انتفاضة الحرامية»، وباستقوائه بتيار الإخوان واليمين الديني لمواجهة معارضة الناصريين واليساريين، وبهروبه إلى طلب الحماية من الأمريكيين والإسرائيليين، بدءا من زيارة القدس، ووصولا إلى ما سمي بمعاهدة السلام. ولم يقدم السادات على مقامراته مضطرا، ولا بسبب نقص الموارد والمعونات، كما قال الرئيس السيسي في تعقيبه على رأيي، فقد تدفقت على مصر موارد هائلة في الأربعين سنة الأخيرة، وفي صورة قروض ومعونات عربية وأجنبية ومنح لا ترد، ودورات من خفض الديون، وبلغ مجموع الموارد الممنوحة ما قد يصل إلى 300 مليار دولار، خرّبت مصر ولم تنقذها، وجعلتها طافية لا تعوم ولا تغرق، وكان ذلك هو هدف المانحين بالضبط، فقد أرادوا بمعوناتهم نوعا من الغواية لتسهيل تفكيك البلد، وتحطيم ما كان قائما من أصولها الإنتاجية، وهو ما بدأ أيام السادات الأخيرة، وتواصل مع مبارك، إلى أن تبددت قوة مصر الذاتية، وكان كل ذلك سببا في الثورة المتصلة موجاتها ومعاناتها إلى الآن. لم يفكر السادات خارج الصندوق، بل فكر خارج التاريخ، وأعاد مصر ـ مع خلفه مبارك ـ إلى صندوق التخلف، أعادها إلى حظيرة النهب العام، وبصورة لم تسبق في تاريخ مصر الألفي، وأعادها إلى الهيمنة الاستعمارية (الأمريكية والإسرائيلية هذه المرة)، وحتى في الموضوع المحدد المباشر لمعاهدة السادات مع إسرائيل، فلم تعد سيناء خالصة للسيادة المصرية، بل عادت إلى مصر على طريقة الذي أعادوا له قدما وأخذوا عينيه.
بدا أن سيناء عادت مقابل تضييع مصر، عادت سيناء منزوعة السلاح في غالبها، وعادت مقابل نزع سيادة القرار في القاهرة، والرئيس السيسي أول من يدرك هذه الحقيقة المرة، وأول من عمل من أجل تجاوزها، وربما لا يصح التنكر لدور السيسي كوزير دفاع، ثم كرئيس منتخب بما يشبه الإجماع الوطني، فقد عمل بدأب وذكاء لاستعادة سيادة السلاح المصري في سيناء، وإلغاء مناطق نزع السلاح وحظر الطيران العسكري، وتحقق له ولمصر ما أرادت، وفرض واقعا جديدا، جعل الملاحق الأمنية للمعاهدة التي وافق عليها السادات حبرا يجف على ورق، وجعل «تعديل المعاهدة» أمرا مفروضا ومنتهيا، وبذات «التكتيك الوطني» الذكي، تصرف السيسي مع الهيمنة الأمريكية، فهو لا يبالي بتهديدات قطع المعونة الأمريكية، ويتصرف بخشونة وطنية متزايدة مع الأمريكيين، ويقلص علاقات التبعية الموروثة، ويكسر احتكار السلاح الأمريكي، ويوجه ضربة إلى نفوذ واشنطن بضربة المعلم السيسي الروسية، التي تزامنت مع مشروع نهوض جديد عنوانه قناة السويس هذه المرة أيضا، وفي استدعاء ظاهر لمثال عبد الناصر التاريخي، وليس لمثال السادات الذي يسيء ذكره إلى معنى زعامة السيسي البازغة.
نعم، اختلفت مع الرئيس السيسي لأجله ولأجل مصر، وقد كرر السيسي إلحاحه على أنه لا يطلب من الإعلام دفاعا ولا دعاية لرئيس ولا لنظام، بل يريد من الإعلام دوره الوطني في صيانة كيان الدولة المصرية، وقد رأيت أن الرئيس السيسي محق تماما في هذه النقطة، وإن أردت في مداخلتي أن أضيف بعدا آخر، فقد قلت ان الدولة المصرية لا خوف عليها من جماعات الإرهاب، وأن مصر محروسة بعناية الرب والشعب وبقوة جيشها العظيم، لكن ما يهدد الدولة المصرية خطر آخر يأتي وينهش من داخلها هذه المرة، وهو سوس الفساد الذي ينخر، والذي تحول إلى وباء قاتل لحيوية الدولة، ومحطم لمناعتها الذاتية، وقلت لسيادة الرئيس ان جهاز الدولة متعفن ومتحلل وعديم الكفاءة، واننا نريد حربا بلا هوادة على الفساد في جهاز الدولة، نريد تطهيرا شاملا، فدولة الفساد تتربص بإنجازات السيسي ومشاريعه الطموحة، وهي السبب الجوهري في انهيار الخدمات العامة، وفي صناعة أجواء تشويش تحجز تواصل الرئيس المباشر مع سواد المصريين. ولم يتسع الوقت المتاح لأشرح المزيد، أو أن أعبر عن اعتقادي بأن أداء الحكومة يسيء للرئيس، وقد كان فساد جهاز الدولة موضع حوار دائم معه، وكذا تضخمه وانعدام كفاءته، وهو ما يهدد بتقويض خطط الرئيس، وأزعم أنني فهمت شيئا من طريقة تفكيره بالخصوص، فهو لا يثق بكفاءة جهاز الدولة، ويعول على استدعاء دور أكبر لجهاز الجيش، وعلى طريقة الإنجاز الإعجازي للهيئة الهندسية للقوات المسلحة في مشروع قناة السويس الجديدة، ثم أنه لا يغفل عن خطورة الفساد المستشري، لكنه يفضل العمل الصبور على طريقة الخطوات المتتابعة، بإطلاق يد الرقابة الإدارية والجهاز المركزي للمحاسبات، والبدء بالتطبيق الصارم لقواعد الحد الأقصى للأجور في المؤسسات العامة، وهو ما جرى بالفعل، وإن كنت أخشى أن طريقة الخطوة ـ خطوة قد يتباطأ أثرها، وقد يتكيف معها جهاز الدولة الفاسد، وقد تعمل البيروقراطية المتمرسة على احتواء آثارها في وقت لاحق، وبطريقة مدمرة لنوايا الرئيس.
وكان طبيعيا أن تتطرق مداخلتي القصيرة إلى وضع مليارديرات النهب العام، فلا يذكر السادات بعد حرب 1973، ولا يذكر مبارك بعهده البليد الراكد، ولا تذكر البيروقراطية الفاسدة، لا يذكر كل هؤلاء إلا مع استدعاء القرين، فالمال الفاسد ابن السياسة الفاسدة وصنو البيروقراطية اللصوصية، والرئيس السيسي يعرف أكثر مما نعرف، وبحكم مواقعه السابقة في قيادة المخابرات الحربية، وفي قيادة الجيش، ثم بحكم موقعه الحالي في قيادة الدولة، وتحت بصره كل الملفات وتقارير الرقابة المتراكمة، الرئيس السيسي يعرف بالدقة حقيقة ثروات المليارديرات، ويعرف أن مشاريعه الوطنية الكبرى تحتاج إلى موارد هائلة، وقد قدرها هو نفسه بما يزيد على تريليون جنيه مصري، وأطلق مبادرة «صندوق تحيا مصر» لجذب الموارد المطلوبة، وأصر مرات على توفير مئة مليار جنيه بصورة فورية، ومن خارج الموازنة العامة المنهكة، التي يعمل على خفض عجزها المزمن، وعلى التشغيل الاقتصادي للهيئات والخدمات العامة، بما قد يزيد من أعباء الفقراء والطبقات الوسطى، الذين تحملوا ويتحملون، ودفعوا فواتيرهم كاملة، ومن دون أن تدفع طبقة مليارديرات المال الحرام فواتيرها، وهذا ما قصدته حرفا ونصا، حين قلت للرئيس ان الزعامة إنجاز وانحياز، وان رغبة الرئيس في الإنجاز ظاهرة وجدية وملهمة، لكننا نريد انحيازا يكافئ الرغبة في الإنجاز، نريد انحيازا مع الفقراء والطبقات الوسطى، ونريد انحيازا ضد طبقة اللصوص، الذين راكموا الثروات التريليونية.
وقلت للرئيس ان الرأي العام يراقب بقلق وتحفز، وان الرئيس أعطى وقتا طويلا لمناشدة رجال الأهوال أو رجال الأعمال، وبلا أثر يذكر إلى الآن، وان الرئيس نفسه ضاق بتلكؤ السارقين القادرين، وأطلق في خطاب قناة السويس إنذاره الأخير على طريقة «هتدفعوا يعنى هتدفعوا»، وهو الإنذار الذي ننتظر بفارغ الصبر ساعة تنفيذه، ورد حقوق مصر المنهوبة، فالزعامة إنجاز وانحياز، والانحياز هو الذي يصنع للإنجاز وهجه وإلهامه.

٭ كاتب مصري

عبدالحليم قنديل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية