قلعة الحصن في سوريا: من إمارة صليبية إلى تدمير ممنهج

حجم الخط
0

يقول باحثون سوريون: إن قلعة «الحصن» التاريخية والأثرية، والقابعة وسط سوريا، قد دارت بها الأيام دورة تاريخية كاملة، قلعة أوجدتها الحروب والنزاعات، لتصبح بعد ذلك مركزاً تجارياً ومركز زود للحجاج، عم فيها الهدوء، وبعد قرون طويلة مرت، عادت الحرب للقلعة التي تعتبر أحد أشهر قلاع الشرق الأوسط.
الحصن قلعة كاثوليكية تعود لفترة الحروب الصليبية بين القرون الـ 11 و13 عشر ميلادي، وتقبع ضمن سلسلة جبال الساحل ضمن محافظة حمص وسط سوريا، وتتموضع على بعد 60 كيلومتراً من المدينة، ونظرا لأهمية القلعة تاريخيا، سُجلت على لائحة التراث العالمي إلى جانب قلعة صلاح الدين الأيوبي.
تشتهر القلعة باسم «الحصن» إلا إن معنى القلعة في العربية، يعني «قلعة المعقل» وهو مستمد وفق مصادر تاريخية من أحد الأسماء السابقة لها، والتي كانت تعرف تاريخياً بقلعة «الأكراد».

جسم القلعة

قلعة الحصن، تتكون وفق مراجع متعددة، من حصنين اثنين، أولهما «حصن داخلي» وهو يشكل قلعة مستقلة عن الخارجية، ويتكون من طابقين اثنين، محاط بأبراج شاهقة، وبخندق مائي، يبلغ طوله سبعين متراً.
كما ان لها ثلاثة أبواب مشرعة على الخندق المائي، بالإضافة إلى بوابة رئيسية تصل ما بين القلعة الخارجية بواسطة دهليز ذو انحدرات وميول، تتموضع في داخله العديد الأقبية والقاعات، واسعة الاستخدام أهمها قاعة «الفرسان» وكنيسة تحولت في وقت لاحق إلى مسجد ومسرح.
أما القلعة الخارجية، فكانت مصممة وفق استراتيجيات دفاعية رصينة، ففهيا 13 برجاً دفاعياً، بالإضافة إلى خندق يحيطها، ومجموعات أخرى من الأبراح العالية، والمستودعات، وأماكن مخصصة كإسطبلات للخيول، وغرف جلوس، وطوابق على شكل قاعات، ومخبزاً خاصاً بقاطني القلعة.

فن عسكري معماري

شهرة القلعة تاريخياً، كان مصدرها العديد من الدراسات الحديثة، تطور الفن العسكري المعماري مع توالي العصور والحضارات، والتي كان أولها في العصر الصليبي في الشرق الأوسط، إذ عكست القلعة في تحصيناتها، تطوراً كبيراً بتطور الأنظمة الدفاعية في تلك الحقبة، وبناء الأبراج، التي سبقت العديد من القلاع والتحصينات في أوروبا آنذاك.
فالقلعة، وفق دراسة أجراها موقع «رصيف» مطلع العام الحالي، مزجت ما بين حضارات الشرق والغرب، وامتدت مساحتها إلى 240 متراً، من الجهة الشمالية إلى الجنوبية، وإلى امتداد 170 متراً من الشرق إلى الغرب، لتجري عملية توسعتها على عدة مراحل، من الصليبيين إلى حكام العصر الإسلامي بعد ذلك.

دورة تاريخية

التطوير الذي عاشته القلعة، حولها من كردية إلى حصن صليبي ثم إلى مقر ملكي، كما حظيت القلعة في عهد الانتداب الفرنسي لسوريا، بعناية خاصة وكبيرة من جانب الفرنسيين، فكانت مركزاً للجذب السياحي. لينتهي بها المطاف بعد إعلان استقلال الجمهورية العربية السورية، إلى موقع سياحي، ثم عادت الحرب في عام 2011 لتعيد دورة الحياة التاريخية للقلعة مجدداً، مما أدى إلى إلحاق العديد من الأضرار في القلعة، على يد طرفي الصراع في البلاد.

زلزال مدمر

تعرضت قلعة الحصن في عام 1157 ميلادي، إلى زلزل، امتدد إلى العديد من الأحياء السكنية في بلاد الشام، وفي عام 1169 ميلادي، كان الزلزل أشد تدميراً، فلم يبق فيها سور قائم، الأمر الذي دفع الصليبيين إلى إعادة بنائها وتجديدها، وترميم الأجزاء المنهارة، لتصبح نتائج الزلزل المدمرة، بداية لتطوير تحصينات القلعة وأوتادها.
وفي عام 1201 ميلادي، ضرب القلعة ثالث زلزال مدمر أحدث فيها أضراراً واسعة، وبعد هذا الزلزال بدأ الطور الثالث من إعمار القلعة نتجت عنه حلقة الدفاع الخارجية والجدار المنحدر الضخم في الجهة الجنوبية والمستودع خلف الواجهة الجنوبية.

الفتح الإسلامي

قام السلطان المملوكي الملك الظاهر بيبرس بأول محاولة لتحرير القلعة من الصليبيين عام 1267 ميلادي، بعد أن حرر كل الحصون والأبراج المجاورة والقريبة منها، وأعاد الهجوم مرة أخرى عام 1269، ثم أعد العدة والعتاد لاقتحام القلعة وبدأ حصارها الرسمي في شتاء عام 1271 م، الذي استمر شهرا ونيف. ليتم إعلان فتح القلعة في السادس من شهر نيسان/أبريل عام 1271 بقيادة السلطان المملوكي الظاهر بيبرس، بعد أن استسلم الفرسان مقابل خروجهم إلى طرابلس.
الظاهر بيبرس العلائي الصالحي النجمي، لقب بأبي الفتوح، سلطان مصر والشام ورابع سلاطين الدولة المملوكية ومؤسسها الحقيقي، بدأ مملوكاً يباع في أسواق بغداد والشام وانتهى به الأمر أحد أعظم السلاطين في العصر الإسلامي الوسيط.
وبعد فتح القلعة، أمر الظاهر بيبرس بتجديد وإعادة بناء ما تم تهديمه منها، بهدف إعادتها بشكل فوري لدائرة الخدمة، وفعلاً تم تدعيمها بشكل كبير، وخاصة من ناحية الأبراج، وكان أبرزها برج «الظاهر بيبرس» في الواجهة الجنوبية منها.
ولعبت القلعة أيضا دورا مهما في تزويد الحجاج بالمؤن اللازمة بحكم وقوعها على طريق الحج إلى القدس فيما بعد منطلقا لتحرير قلعة المرقب على يد السلطان المملوكي قلاوون عام 1285، وفق العديد من المصادر ومراكز الدراسات.

عودة الحرب

الباحث المختص في الآثار السورية عدنان المحمد، قال لـ «القدس العربي»: تمت عملية السيطرة من قبل الجيش السوري الحر على القلعة بسهولة في عام 2012، وذلك لعدم وجود تحصينات عسكرية بشكل كبير، حيث كان فيها بعض العناصر وعدد من الحراس، الأمر الذي جعل سيطرة الجيش الحر، على القلعة سهلا، علماً أن عناصر فصائل المعارضة التي شاركت في السيطرة على القلعة هم من أبناء المناطق المجاورة والملاصقة لها.
وبعد عامين من سيطرة المعارضة على القلعة، وفي آذار/مارس 2014 حشد النظام السوري قوات عسكرية كبيرة، اقتحمت منطقة القلعة، لتسيطر عليها قوات النظام بعد شهرين من المواجهات بين الجانبين.
وخلال هذه المواجهات، استخدمت كافة الأسلحة من قبل النظام السوري، في حين لم تكن المعارضة السورية، وفق المصدر، قد حصلت على أسلحة ثقيلة، وبالتالي كل التهم الموجهة للمعارضة بتدمير أجزاء كبيرة من القلعة هو أمر مرفوض، لأن معركة السيطرة على القلعة لم تكلف المعارضة سوى ساعات قليلة، أما عندما عاودت قوات النظام السيطرة عليها، استهدفتها بشكل مباشر بالدبابات والمدفعية الثقيلة.

تدمير ممنهج

وقال الباحث السوري: النظام السوري هاجم القلعة آنذاك كحرب حقيقية، فقصفت قواته القلعة بشكل مباشر، مما أدى إلى تدمير أجزاء كبيرة من الجدران، والأبراج.
وأكد الباحث عدنان المحمد لـ «القدس العربي» بأنه عاين القلعة والدمار الكبير الذي ألحقته قوات النظام السوري في جدرانها وبنيتها، بعد يومين فقط من وقوع الهجوم على القلعة ومحيطها.
وأشار إلى إن فترة سيطرة الجيش السوري الحر على المنطقة الأثرية التاريخية، والممتدة من 2012 إلى 2014 تعرضت قلعة الحصن إلى أكثر من عملية قصف من قبل النظام، إذ استخدم الطائرات العامودية والحربية في دك القلعة خلال عملية استعادتها، وتحصن الجيش السوري الحر فيها بأسلحته الخفيفة، لتؤدي الاشتباكات مع طول مدتها، إلى زيادة دمار المواقع الأثرية فيها.

طرفا الصراع

وحمل الأثري، طرفي الصراع المسؤولية عن الدمار الذي لحق بالقلعة، وأكد أن النظام السوري استخدم كافة أنواع التدمير ضد السوريين، بالتالي كان لا بد من مقاومته، وتلك الفترة كانت مرحلة ضعف بالنسبة للثوار، من ناحية الإدارة، وكان كل اهتمامهم يصب على حماية الإنسان السوري، مما أدى إلى ارتكابهم بعض الأخطاء تجاه المعالم الأثرية، وهكذا يكون النظام هو المسؤول الأول والأخير عن ما آلت إليه القلعة، وما صابها من تدمير ودمار.

إجرام اليونيسكو

كما حمل الباحث، المجتمع الدولي، مسؤولية ما جرى في المعالم التاريخية والأثرية في المجمل، ومن بينها قلعة الحصن، بسبب تخليه عن سوريا الخاضعة لسيطرة الجيش الحر، واهتمامه بمناطق سيطرة النظام، وهذه السياسة التي اتبعتها «يونيسكو» وهذا التجاهل ساعد على زيادة الضرر على الآثار، معتبرا أن مسؤولية يونيسكو حيال ذلك، تساوي الجرائم المرتكبة من قبل النظام بحق المواقع الأثرية.
ونوه المصدر، إلى عدم وجود أي مشروع دولي أو وطني، لترميم المواقع الأثرية في سوريا، حتى إن جرت عمليات الترميم، فتجري بشكل ضيق، تشوه الآثار وقيمتها التاريخية، وأن آلية الترميم العشوائي، تعتبر أسوأ من الدمار ذاته.

سرقة الآثار

أبو جعفر المغربل، وهو من الناشيطن السوريين في الثورة في محافظة حمص، قال إن النظام السوري وحزب الله اللبناني، قاموا بسرقة غالبية الآثار الثمينة في القلعة، وبيعها خارج الحدود. وأشار إلى ان معرفة قيمة أو نسبة الآثار المسروقة في الوقت الراهن صعب، بسبب سيطرة النظام وحزب الله والدفاع الوطني على كامل المنطقة.

قلعة الحصن في سوريا: من إمارة صليبية إلى تدمير ممنهج

حسام محمد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية