قلعة القاهرة في تعز اليمنيّة: شاهدٌ تاريخي يروي مأساة التراث تحت وقع الحرب

حجم الخط
0

صنعاء ـ «القدس العربي»: على الرغم مما الحقته بها مقاتلات التحالف من دمار كبير، ما زالت قلعة القاهرة في مدينة تعز (جنوب غرب اليمن) تقف بكل عنفوان تاريخها شاهدة على حرب كانت هذه القلعة جزءاً منه وصولاً إلى الحرب الراهنة، بدءاً من استخدامها من قبل القوات الموالية لجماعة «أنصار الله»(الحوثيين) والقوات الموالية للرئيس السابق علي عبدالله ضد ما تُعرف بقوات المقاومة الموالية للرئيس عبدربه منصور هادي، ومن ثم استهدافها من قبل مقاتلات التحالف ملحقة خراباً في معظم معالمها، انتقلت معها السيطرة العسكرية عليها لفصيل آخر، لتبقى القلعة تنزف في قلب المعركة المستعرة هناك.
كانت هذه القلعة، التي تُعدّ من أهم القلاع التاريخية في البلاد، جزءاً من ساحة الحرب منذ استعارها عام 2015. كان ذلك بعد عام من إعادة افتتاحها عقب ترميم استمر 12 سنة كمعلم تاريخي فريد قررت السلطات عام 2014 فتحه مزاراً ثقافياً يروى تاريخاً طويلاً من تكريس القلعة موقعاً عسكرياً ومعتقلاً سياسياً، ويتحدث عن خصوصيتها كمعلم معماري عسكري إسلامي متميز، لتأتي الحرب الراهنة، وتدفن تحت الركام أحلام ومشاريع استثمار وتطوير موقعها ومبانيها ضمن مشاريع ثقافية كان منها ضمها إلى قائمة» يونيسكو» للتراث الإنساني العالمي بالإضافة إلى استثمار المكان مقصدا ثقافياً وسياحياً، وهو ما كانت السلطات قد بدأت بالاشتغال عليه، بما في ذلك تجهيز ما يعرف بـ»دار الأدب» داخل القلعة ليكون متحفاً، وهو ما تم فيه نقل عدد من القطع واللقى الأثرية الخاصة بالمتحف إلى هناك. إلا أن كل ذلك بات اليوم تحت الركام بما في ذلك القطع الأثرية، لتمثل تلك الآثار رقماً آخر يُضاف للخسائر التي خلفها الدمار الناجم عن استهداف القلعة التي تبقى، اليوم بما نالها، شاهداً عما وصلت إليه مأساة التراث تحت وقع الحرب.

أضرار في السور والقصر

خصوصية موقع القلعة وتميز تصميمها ومعمارها وتحصيناتها جعل منها مركزاً للحكم وموقعاً عسكرياً دفاعياً؛ ولهذا كانت هدفاً وجزءاً من الحروب التي كانت تستهدف السيطرة على المدينة خلال عهود عددٍ من الدول التي تعاقبت على الحكم، وآخرها الحرب المستعرة حالياً. فعندما اندلعت هذه الحرب وكانت مدينة تعز إحدى ساحاتها، ونتيجة لذلك دخلت القلعة ضمن استخدامات واستهدافات المعركة، بدءاً من استخدامها من قبل القوات الموالية للحوثيين/ صالح عام 2015 ضد القوات الموالية للرئيس عبدربه منصور وصولاً لاستهدافها بالطيران من قبل مقاتلات التحالف أكثر من مرة، وبخاصة في أيار/مايو 2015.
وحسب بيانات الهيئة اليمنية للآثار والمتاحف فإن طائرات التحالف ألحقت بالقلعة ضرراً صنفته «كلي». وفي تصريح لـ»القدس العربي» قالت خبيرة الآثار في مدنية تعز بشرى الخليدي «لقد تسببت غارات الطيران بأضرار كبيرة في السور والقصر والمخازن، بما في ذلك ما كان يعد متحفاً داخل القلعة، وكان يضم عدداً كبيراً من القطع واللقى والمقتنيات الأثرية الهامة، كلها نالها الدمار وطمرها الركام».
وتحدثت عن محاولات عند بدء الحرب لدى أطراف الصراع لتجنيب القلعة الاستخدام والاستهداف العسكري، حفاظاً على قيمتها التاريخية الثمينة: «حينها استجاب الطرفان، إلا أنه سرعان ما توالت الاستفزازات وعادت المواجهات، حتى تم استهدافها من الطيران».
ما شهدته هذه القلعة ليس سوى صورة من صور الدمار الذي نال المعالم التاريخية في البلاد جراء الحرب، والتي يعكس مدى استهتار أطراف الصراع بكل ما له صله بالذاكرة الثقافية والهوية الوطنية؛ وبالتالي – يرى البعض- أن جميع الأطراف مسؤولة عما تعرضت وتتعرض له هذه المعالم.

أول معتقل سياسي في اليمن

تنتشر في اليمن الكثير من القلاع والحصون تروي تاريخ المعمار العسكري الإسلامي هناك. وتعد قلعة القاهرة في مدينة تعز، وعلى الرغم من وجود أكثر من قلعة يمنيّة لها ذات الاسم، من أشهر قلاع اليمن الأثرية ومن أبرز شواهد العمارة الإسلامية الحصينة، ذلك أنها تختزل موقعاً وتصميماً وتوزيعاً وتشييداً وتسويراً وتوظيفاً أبرز ملامح خصوصيتها. ما زال كل شيء هناك ينبض بروح التاريخ الذي يعود بالقلعة إلى ما قبل ألف سنة كانت خلالها داراً للحكم وسجنا ومدرسة وأكثر من ذلك، وعُرفت في مرحلة من المراحل بأنها أول معتقل سياسي في اليمن، واستمرت كذلك حتى مرحلة متقدمة.
ظلت القلعة تحتفظ بمنشآت تعود لمراحل مختلفة من تاريخ اليمن على مدى الألف سنة الذي هو عمرها متفردة بتصميم ربما لا نظير له في القلاع الأخرى، وهو تصميم أجاد استغلال موقعها ومساحتها الصغيرة لتحتوي مرافق وظيفية وخدمية تلبي الحاجة منها دار للحكم وثكنة عسكرية وما يلحق بهما.
ونحن نكتب عنها ستتجاوز ما نالها من خراب في الوقت الراهن، لنتحدث عما كانت عليه قبل الحرب، ذلك باعتبارها جزءاً من التاريخ، والتاريخ لا ينتهي بطمر معالمه، علاوة على أن البلاد ستطوي صفحة الحرب حتماً، وسيُعاد تشييد ما تم تدميره مما يمكن إعادة تشييده بما فيها هذه القلعة.

أبّهة ورهبة

على الرغم مما نالها من دمار، ما زالت العيون تنظر إليها بما كان لها من أبهة ورهبة، إذ ما تزال مشرئبة بموقعها على التل الصخري في السفح الشمالي لجبل صَبر، وهو الجبل الذي تفترش سفوحه ووديانه مدينة تعز (256 كم جنوب غرب صنعاء) وهي المدينة التي تزخر بمعالم تاريخية هامة من مدارس ومساجد وقصور وغيرها، من بينها هذه القلعة، التي تقف على هذا المرتفع شبه الهرمي كأنها تراقب وتحمي المدينة. هذه المدينة التي كانت ذات يوم عاصمة للدولة الرسولية (1229-1454م) التي حكمت اليمن لقرنين في تاريخه الوسيط، وتعدّ في التاريخ المعاصر إحدى أهم مُدن البلاد، ولخصوصية بيئتها الثقافية والتاريخية اُختيرت عام 2013 عاصمة ثقافية لليمن، وضمن تحضيرات تدشينها اُختيرت صورة هذه القلعة شعاراً لها، في دلالة على أهميتها بين معالم المدنية وضمن أهم معالم التاريخ الإسلامي في اليمن.

القلعة والمدينة

في مرحلة من مراحل ذلك التاريخ، وتحديداً في عهد الدولة الصليحية (1047- 1158) التي سبقت الدولة الرسولية في حكم وتوحيد اليمن، شُيدت – وفق عددٍ من المراجع- هذه القلعة، التي شهدت خلال حقب مختلفة تطورات جعلت منها فصلاً هاماً من فصول الصراع والنهضة التي شهدها اليمن، وخاصة في حقب الدُول الطاهرية والأيوبية والرسولية وصولاً إلى العهد العثماني وعهد الأئمة، حيث تحولت القلعة سجناً حربياً ومركزاً لحفظ رهائن القبائل الذين كانوا يتلقون فيها تعليمهم في مدرسة زادت من شهرتها، كانت، قبل ذاك «داراً للحكم وقصراً لسكن عائلات الحكام تحصنها الأسوار، بحدائقها المعلقة التي كانت تطل على المدينة في منظر ساحر».
يصعد الزائر إلى القلعة وهو مفتون بروعة مشهد المدينة في الأسفل، وهنا تقول الروايات إن قرية صغيرة نشأت على سفح هذه الربوة، كانت تسمى عُدينة، بضم العين، شكلت نواة المدينة التي صار اسمها تعز، ومنها جاءت، وفق إحدى الروايات تسمية هذه القلعة «حصن تعز». مما سبق فقد أدى تشييد القلعة واستخدامها داراً للحكم وثكنة عسكرية في عهد الدولة الصليحية إلى اتساع المدينة التي أصبحت في عهد الدولة الرسولية عاصمة الدولة كما سبقت الإشارة.

الأسوار

من أهم معالم القلعة تبرز الأسوار (التي هي من ضمن ما ناله الدمار مؤخراً) ذلك أنها كانت تظهر في امتدادها وتداخلها حول القلعة في منظر يكرّس الأهمية والمكانة لاسيما في تصميمها الذي يشي بعبقرية أجادت التعامل مع الوظيفة بحكمة وجمال، وهي حكاية تتواصل قراءتها وصولاً إلى باحات القلعة، حيث كان الزائر يقف على تصميم مدهش يفيض حكمة يمكن قراءتها بوضوح في مهارة استغلال البطن الصخري للربوة في حفر مخازن لمياه الأمطار وأخرى للمؤن الغذائية، فضلاً عن استغلال الأسوار المتعالية والممتدة والمشيدة على اتساع يصل إلى أربعة أمتار، في تشييد أبراج الحراسة ومساكن الحرس ومرابض الخيول وغيرها من المرافق والمتنفسات.
أما في فناء القلعة، فالمنظر كان يبدو مدهشاً في التعدد والتنوع والاستغلال الأمثل وخاصة للأروقة. والتي كان لكل منها وظيفته، ومن أسماء تلك الأروقة وفق إحدى الروايات: دار الأدب، ودار العدل، ودار الإمارة، وهذا الأخير تقول الروايات إنه كان خاصاً بالملك بالإضافة إلى قصر الضيافة، وهو خاص باستقبال الضيوف فضلاً عن مبان أخرى كانت تتدرج وتتداخل مع بقية المرافق والمنشآت المشيدة على الجانبين الشرقي والغربي للقلعة ومنها المدرسة والمسجد. واللافت أن جميعها ترتبط ببعضها بممرات بالإضافة إلى أنفاق وممرات سرية، ولتلك الانفاق حكايات وأساطير ما زالت تروى حتى الآن.

الحكاية

حتى قبل الحرب وعقب الترميم كانت أبهة المُلك تنضح من كل شيء هنا، فالقصر المنيف (ناله الدمار) وغيره من مبان ومرافق هذه القلعة تروي لنا حكايات مَن تعاقب على المُلك والحُكم فيها ومَن مرواً عليها عبر تاريخها. فكما سبقت الإشارة، فالقلعة كانت إحدى أهم الثكنات العسكرية ودُور الحكم لعدد من الدويلات اليمنيّة ابتداء من الدولة الصليحية، حيث كان الأمير عبد الله بن محمد الصليحي شقيق الملك المؤسس للدولة الصليحية على بن محمد أول من فطن لأهمية المكان، فقرر بناء قلعة حصينة عليه، فبناها سنة 1045 حيث شيد الأسوار والمخازن المحفورة في البطن الصخري للربوة، ومن ثم أكملت أروى بنت احمد الصليحي زوجة ملك الدولة الصليحية بناء مباني القلعة. وخلال تلك المرحلة بقيت تحت حكم الصليحيين إلى أن أنهار حكمهم لتشهد القلعة صراعات بين متنازعي الملك والحكم في اليمن، إلى أن زحف الأيوبيون على اليمن، الذين استولوا على القلعة سنة 1173 وحينئذ ظلت مقراً للجيش الأيوبي حتى انتهى عصر الدولة الأيوبية عام 1230 وانتقل الحكم إلى بني رسول الذين أسسوا الدولة الرسولية واتخذوا من مدينة تعز عاصمة لملكهم، وبقيت القلعة ثكنتهم العسكرية إلى سنة 1255. وشهدت القلعة خلال حكم الرسوليين تطوراً، وهو التطور الذي استمر خلال حكم الدولة الطاهرية (1451- 1517) التي استولت على القلعة عام 1454 ليتواصل استخدامها في عهد العثمانيين، ومن ثم في عهد دولة الأئمة سجناً سياسياً للرهائن وثكنة عسكرية حيث اتخذ الأئمة من أحد مبانيها مسكناً للاحتفاظ بأبناء شيوخ القبائل كرهائن لضمان استمرار الولاء والطاعة، ومن ثم تحويل مبنى دار الأدب فيها إلى معتقل سياسي للمعارضين لدولة الأئمة، وعدته إحدى الروايات أول وأشهر معتقل سياسي في اليمن. وعلى الرغم من ذلك بقيت القلعة تضم مدرسة ظلت تؤدي وظيفتها في تعليم الرهائن على أيدي عديد من العلماء.
لقد تعاقبت على القلعة عددٌ من الدول، وشهدت تطورات في الاستخدامات في مراحل مختلفة، كل ذلك ضاعف من أهميتها معلما معماريا وشاهدا على مراحل من تاريخ البلاد، مثلما تشهد اليوم باستهدافها بالتدمير واستخدامها موقعاً عسكرياً، على الحرب التي تستهدف كل شيء.

قلعة القاهرة في تعز اليمنيّة: شاهدٌ تاريخي يروي مأساة التراث تحت وقع الحرب

أحمد الأغبري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية