سلطنة عمان ـ«القدس العربي»: على تلة مرتفعة تأسر الأنظار من مسافات نائية تنبلج بين سلاسل جبلية تقع على واد ذي مجرى وخلف بساتين النخيل الباسقة قلعة بهلاء بسورها الممتد الذي حماها من جور الزمان مثلما كانت في وقت سابق تذود عن سكان مسالمين وديعين احتموا في أراضيهم التي أخلصوا لها وتفاعلوا معها في انسجام متناغم بين الإنسان ومحيطه.
بعد أيام قليلة بعد إسدال العمانيين الستار عن فعاليات نزوى عاصمة الثقافة الإسلامية وغير بعيد عنها يسارع أبناء محافظة الداخلية الخطى لإبراز معلم أثري لا يقل أهمية وهو يشكل مصدر فخرهم بمناسبة مرور نحو ثلاثة عقود على إدراجه ضمن التراث العالمي من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) لفرادته وتميزه.
على امتداد الطريق الحديث والمريح بين مدينتي عبري ونزوى اللتين كانتا تتسمان بالأهمية في العصور القديمة وفي الفترة السابقة لبزوغ فجر الإسلام، ظل دليلي السياحي أبو محمد ابن المنطقة يتحدث بفخر واعتزاز عن المعلم الذي يرمز إلى عهد ولى كانت المنطقة فيه تعيش أزهى عصورها وهي معبر القوافل بزادها ومتاعها في ترحالها ذهابا وإيابا، وسكانها كانوا حماة الدروب والمسارات المؤدية إلى الشرق من قطاع الطرق والمخربين ويقدمون أجمل صور البطولات التي تغنوا بها دهرا. استقبلتنا المدينة المتكاملة الفريدة بطابعها العمراني المميز وهي في أجمل حلة ظهر اليوم حينما وصلناها وسكانها منشغلون بأعمالهم ويصرفون أمور حياتهم والهدوء يخيم على المنطقة والسكينة لحنا يعزف على مدار ساعات النهار. الوصول إلى القلعة لم يكن بالأمر الصعب في ظل وجود لوحات إرشادية للمعلم لم نكن نحن بحاجة إليها طبعا مع وجود دليل سياحي مرافق لنا لم يتوقف عن الحديث بإسهاب عن المدينة التي تتكامل فيها الخصائص الطبيعية في توائم مع فرادة معمارها وهي سمة تميز بها العمانيون الذين أبدعوا في بناء القلاع وتشييد الحصون والأبراج التي تزخر بها السلطنة التي تعد نحو ألف معلم صنع لها شهرة بين دول المنطقة.
تكامل بين مكونات المدينة
وصلنا إلى باحة المدينة الرئيسية وركنا السيارة أسفل التلة التي تضم إليها القلعة وسط حارة تضم سوقا وحولها المسجد وتحيطها البيوت من كل جانب في تآلف مثير بين هذه المكونات الحيوية لتحقق في ذات الوقت أهدافا اجتماعية واقتصادية ودينية، دفعة واحدو. ما يميز واحة بهلاء التي تبعد 210كم عن العاصمة مسقط عن غيرها من الواحات العمانية، التآلف المبهج بين عناصرها ومكوناتها العمرانية التي طوعها السكان مع ظروف محيطهم لتمنحهم زاد حياتهم وفق متطلباتها. يكشف لنا الدليل في حديثه المسترسل أن العمانيين يعتبرون بهلاء هبة تاريخهم التليد الممتد منذ الألف الثالث قبل الميلاد وحتى يومنا هذا، وشهدت خلال العصور الماضية وقائع وأحداث تاريخية جمة، لاتزال حتى الآن فصول منها مجهولة لغير الباحثين ولم يتم تدوينها بشكل دقيق لتحفظ إرثا ضاربا بجذوره في أعماق الأرض.
عاصمة النباهنة المتوجة
حسب الدراسات الموثقة فإن المنطقة اتخذها النباهنة عاصمة ثانية لهم بعد نزوى، في الفترة الأولى من حكمهم: (549 -906هـ/ 1154 ـ 1500م)، ثم أصبحت عاصمة رئيسية في الفترة الثانية من حكمهم وتمسكوا بها باعتزاز بما تتميز به من خصائص. إلى جانب مقومات بهلاء الدفاعية فهي تعج بمزيج من عناصر بيئية وأمنية عديدة متآلفة في فسيفساء متوافقة من دون تضاد. هي واحة نخيل تمتد على ضفاف مساحات شاسعة، وفي داخل الواحة العديد من الحارات الأثرية، يبلغ عددها 18 حارة، من بينها عشر حارات صنفت حديثا ضمن قائمة الحارات التي تقع في المستوى الأول، نظرا لتماسكها المعماري، وحفاظها على الخصائص الهندسية، وتعدد أغراضها ومنافعها واستخداماتها الإنسانية، كوجود مدارس للقرآن الكريم، والمساجد الأثرية.
شموخ ورفعة
لم نكد نخطو خطوتين في الساحة السفلية حتى سحرتنا القلعة الأبية العصية بفخامة بناءها وعلو ارتفاعها، وتأسر الناظرين بمنظرها البهي وكانت مثل حسناء تتغنج بفستانها الواسع متصدرة حفل زفاف وكانت هي نجمة المكان عن جدارة واستحقاق. شيد سكان المنطقة الأوائل القلعة لتتوسط الواحة المسورة ويجاورها جامع أثري من جهة الجنوب يمنح المكان طابعا فريدا انطلاقا من دوره الأساسي في حياة الناس الملتزمين بتعاليم دينهم والمحافظين على واجباتهم من دون غلو أو تطرف.
شيدت جميع أجزاء القلعة بالطين، وهي عبارة عن مبنى مثلث الشكل تقريباً، تبلغ مساحة واجهتها الجنوبية 112.5م، في حين تبلغ مساحة الواجهة الشرقية لها 114م. ويبلغ طول السور الشمالي الغربي المقوس حوالي 135م، في مداه من البرج الشمالي وحتى برج الريح، فيما وسطها مفتوح على السماء. وفي داخل القلعة سبعة آبار تغذي المساحات السكنية في أرجاءها وأبعادها ومداها. وبحسب الخبراء فإن تخطيط القلعة الهندسي يؤكد على أنها مزيج معماري، ينتمي إلى فترات تاريخية مختلفة، تمتد من عصور ما قبل الإسلام وحتى عهود قريبة. منها ما يعود إلى فترة ما قبل الإسلام، وتحديدا الجزء الشرقي الشمالي من القلعة، وهو ما يعرف بـ(القصبة). ويرى الباحثون أن بناء القصبة يرجع إلى فترة التواجد الفارسي في عمان قبل الإسلام، وهذا احتمال لا يمكن إغفاله، نظرا لتواجد الفرس في موقع سلوت القريب من بهلاء، إذ ليس من المستبعد إنشاؤهم لهذه القلعة، للسيطرة على الواحة، التي تتحكم في المعبر المؤدي غربا إلى مواقع مهمة في عبري، وشمالا إلى مناطق أخرى. تؤكد العينات التي اتم اكتشافها أثناء عمليات التنقيب الممهدة لمراحل الترميم بعد ذلك، استقلال هذا الجزء بدفاعاته، فهو مزود بأبراج في ثلاث زوايا، وله بوابة من جهة الشرق، هي ذاتها البوابة القديمة للقلعة، والتي تم إغلاقها في زمن النباهنة، كما تتكون القلعة من أجزاء أخرى تعود إلى ذات العصر، كالجزء الشرقي الجنوبي من القلعة.
أما «بيت الجبل» وهو أحد أجزاءها فتشير الدراسات أنه بني في العقد الأخير من القرن الثاني عشر الهجري، الثامن عشر الميلادي، في حين بني «بيت الحديث» من القلعة في منتصف القرن الثالث عشر الهجري، التاسع عشر الميلادي. وتشير وزارة التراث والثقافة في سردها لتاريخ القلعة أن أعمال الترميم التي قامت بها كشفت عن مزيد من الغرف المدفونة بأكملها في طابقها السفلي، وبها العديد من الغرف والمنشآت الخدمية، وهذه التداخلات المعمارية والتأثيرات الخارجية أكسبتها أهمية كبيرة، خلافا للعديد من القلاع العمانية. الدليل السياحي المرافق لنا وجد نفسه منبهرا بمكونات القلعة وكأنه يزورها لأول مرة ويسمع عنها. وفي كل رحلة يعود إليها صديقنا إلى هذه الواحة يزداد شغفه بها ويستكشف تفاصيل تثري رصيده المعرفي وتزيد من عشقه لها وتجعل منه أكثر ارتباط بالمكان وله فيه ذكريات وكأنه قضى عمره في حياة أخرى في الأجواء وعاش سنوات من قبل وكان يتجول في مساحاتها ويعدو في شوارعها فارسا يمتطي صهوة جواده ومختلا بسيفه المزركش في غمده.
أبو محمد يصف لنا المكان بطريقته الخاصة ويرسمه لنا مثل لوحة متحدثا عن المدخل الحالي للقلعة أو ما يعرف بالصباح بين هذين الجزئين، «بيت الجبل» و»بيت الحديث» وهو مزود بفتحات علوية تمنح منظرا بانوراميا لكل المنطقة. ويحوي الصباح (المدخل) مصاطب كان في زمن ولى منطقة تمركز الجنود لحظة استراحتهم يصطفون على جنباتها وهم يتابعون بأعينهم مجريات الأحداث وغدو الناس ومسيرهم في المحيط وكلهم استعداد للتعامل مع أي طارئ.
حين انتقلنا إلى الجهة الشمالية من القلعة، تبرز بوضوح أسوار ممتدة دعمت ببرجين، كانت مربط الحراس وحولها مبانٍ استخدمت كسجون ومرابط للخيل.
جامع أثري عريق
جامع بهلاء القديم في جهة الجنوب من القلعة، يبرز من مسافات قصية فهو يتميز بموقعه المنفرد على التلة ويعود تاريخ إنشائه بحسب التقديرات إلى عام 528هـ، ومن ظلاله تخرج العديد من العلماء والفقهاء طيلة القرون الماضية. يعد أبناء المدينة سيرهم ومآثرهم وإسهامهم الحضاري عبر الزمن وكانوا شعلة تنير الفضاءات المحيطة بغزارة وسعة مداركها في شتى العلوم. ومن العلماء الذين يذكر أهل المنطقة سيرهم أبو عبيدة عبدالله بن القاسم والصلت بن خميس الخروصي والشيخ محمد بن بركة إضافة إلى عدد من الطلاب من بلدان المغرب العربي استقطبتهم هذه الحاضرة.
غادرنا الجامع بعد أن استكشفنا كافة معالمه لنستكمل مشوارنا حول القلعة ومعاينة سورها الذي ذو الاستحكامات الفريدة الذي لازال محافظا على مهابته وهو حصن الواحة الغناء بامتداده لمسافة 12 كلم. السور مزود بأبراج وغرف حراسة، ومرامي، وهي ميزة تشتهر بها السلطنة بهذا الطابع الدفاعي لمعظم مدنها التي أجاد أهلها حمايتها من غزوات الأعداء وأدت الغرض من تشييدها. المتتبع لخط سير سور بهلاء والطريقة التي يطوق بها الواحة، يدرك جيدا مدى الدقة والإبداع في تحصينها بطريقة دفاعية فريدة. تتخلل التلال أحيانا وتقطع الأودية في أماكن أخرى، جعلت من الصعوبة النفاذ إلى داخل الواحة أو محاولة اقتحامها. وكان لهذا السور نظام معين، متبع لصيانته والحفاظ عليه، وتم مقارنة نمط تحصين هذه الواحة باعتبارها واحدة من أجمل ثلاث مدن مسورة في العالم، في كل من كرواتيا وفرنسا وسلطنة عمان، بحسب تأكيدات وزارة التراث والثقافة.
وديان وأفلاج
يُساير واحة بهلاء من جهة الغرب واد مياهه دفاقة، فيما ترتفع الجبال الشماء محيطة بها من معظم الجهات تقريبا، وكأنها عمارات طبيعية، وتتخلل الواحة بعض الشعاب التي تصب في الوادي، وهذا الموقع ساعدها لتكون حلقة وصل بين المحافظات المجاورة لها، قريبة من مواقع حضارية قديمة في عبري. وخارج واحة بهلا توجد العديد من المواقع الأثرية القديمة اكتشف العلماء في ربوعها إنشاءات دائرية مشيدة بالحجارة منذ الألف الثالث ق.م، وهي الفترة المعروفة عند علماء الآثار بفترة أم النار. كما تم الكشف عن العديد من الأدوات والأسلحة النحاسية، والمكاحل، وخرز العقود، وختم حجري، وبالقرب من الموقع تم التوصل إلى بقايا حصن يجثم فوق تل مرتفع، ظل مأهولا بالسكان باستمرار منذ الألف الأول ق.م، وحتى القرن 12هـ/ 18م.
وينتشر في الواحة عدد من الأفلاج والعيون، ومن أشهرها «الميثاء» التي تعد أكبرها وأشهرها جميعا.
صون وحفظ عناصر الواحة
قامت السلطنة ممثلة في وزارة التراث والثقافة بالعديد من الإجراءات، للحفاظ على الطابع الفريد والعناصر الفاعلة المميزة، التي جعلت من هذه الواحة محمية ثقافية عالمية. تم تشكيل لجان معنية بمتابعة الحفاظ على الهوية الثقافية للواحة، وشرعت القوانين التي تكفل الحفاظ على الطابع الأصيل، ومتابعة التوازن بين أعمال التطوير داخل الواحة، بالطريقة التي تكفل عدم الإخلال بفلسفتها المعمارية، أو البيئية، أو الجوانب الأخرى الثقافية، كحرف المواطنين، وعاداتهم، وتقاليدهم، لحفظ التوازن الذي تمثله هذه الجوانب، وبحث كافة المشاكل المتعلقة بالمياه، وتأثيراتها على الزراعة، والحرف المتعلقة بها داخل الواحة.
وتعد القلعة أول موقع عماني تم ضمه إلى قائمة التراث العالمي، وذلك في عام 1987م، ولم يقتصر اعتراف منظمة اليونسكو بالقلعة السور فقط، بل شمل كل مكونات الواحة، أي كل ما أحاط به السور وما احتواه من معالم معمارية، وأثرية، وثقافية، مادية أو غير مادية.
أقدم الحصون
المؤرخ مسعود اليزيدي يقول: قلعة بهلا واحدة من أقدم حصون عُمان منذ العهود التي اعتاد فيها الناس على العيش داخل هذه الجدران المحصنة، فمعظم البيوت كانت مترابطة ومزينة من الداخل.
إن زيارة بهلاء تمنح الوافد دافعا لاستكشاف مدن متاخمة لا تقل عنها جمالاً ومعماراً وتاريخاً من نزوى وليعرّج إلى الحمراء وإلى مسفاة العبريين المذهلة، التي نُحتت بيوتها في الصخور العالية على قمة الجبل الذي يتجاوز ارتفاعه ثلاثة آلاف متر، ليكتشف بعد مشهد الجبل الأصفر أنه وسط واحات وبساتين زُرعت فيها كل أنواع الفواكه ويغادر المنطقة وفي ذهنه آلاف الصور والمشاهد ظل مرافقي يستحضرها من ذاكرته ومن حياته السابقة.
سليمان حاج إبراهيم