هي نقاط انشغال وقلق، لم تصل بعد إلى هاجس عميق يؤرق الصحافيين لكنها قد تصبح كذلك إذا لم تعالج بسرعة وجدية. هذا ما لمسه وفد «لجنة حماية الصحافيين» في تونس هذه الأيام في جلساته مع عديد الشخصيات الصحافية والسياسية والحقوقية قبل أن يطلق يوم أمس بالعاصمة التونسية تقريره بعنوان «حرية الصحافة تتراجع في تونس وسط المخاوف الأمنية».
لعل المقلق أكثر من غيره حقا إقتناع الكثير ممن قابلهم هذا الوفد أنه بعد خمس سنوات على الإطاحة بحكم بن علي، لا توجد بعد إرادة سياسية حقيقية للقبول بالإعلام كسلطة مستقلة لا يمكن أن تعود مجددا تحت إبط السلطة السياسية مهما كانت. أكثر من ذلك، يوجد انطباع لدى عدد لا بأس به من المعنيين بحرية الصحافة والتعبير في تونس أن تآلف الحزبين الكبيرين الآن («النهضة» و»نداء تونس») في صلب الحكومة التي يرأسها حاليا الحبيب الصيد وتفاهمهما في مجلس النواب لدعمها قد لا ينعكس إيجابيا على مناخ حرية الصحافة التي بدأ البعض يحذر من احتمال انتكاسته أو على الأقل عودته إلى كثير من الممارسات القديمة السابقة.
لا يريد الصحافيون وممثلوهم في نقابة الصحافيين التهويل في تصوير الأمور، أو التعسف في تقديم صورة سلبية في بلد تمتع طوال هذه السنوات الأخيرة بحرية صحافة وتعبير غير مسبوقتين، لكنهم مع ذلك حريصون إلى لفت الانتباه إلى مجموعة من النقاط غير المطمئنة. أبرزها حاليا تواصل الاعتداء على بعض الصحافيين وإفلات معظم من أقدم على ذلك من العقاب مع عودة تهديد بعضهم بالقتل وعودة تدخل السلطة في الإعلام العمومي (يحرصون في تونس على التأكيد الدائم على أن هذا الإعلام تابع للدولة كمرفق عام ولا علاقة للحكومة به) وكذلك عودة بعض أشكال الرقابة الذاتية في أوساط الصحافيين مع بروز ممارسات سلبية من قوات الجيش ضد الصحافيين (تؤكد الحكومة باستمرار أنها تصرفات فردية وليست أبدا سياسة معتمدة لترهيب الإعلام).
الأكيد هنا أن دخول الإرهاب الساحة التونسية خاصة مع استهداف رجال الجيش والشرطة واغتيال سياسيين وقتل سياح أجانب، كل ذلك ألقى بظلاله على طبيعة العلاقة بالإعلام والإعلاميين خاصة مع إقرار البرلمان أواخر يوليو/ تموز الماضي «قانون مكافحة الإرهاب». كما توجد من ناحية أخرى إشكالات تتعلق ببعض التشريعات المقترحة على غرار قانون يجرم بقسوة كل ما يوصف بالاعتداء على قوى الجيش والأمن والذي نال الصحافيين منه نصيب هام (هذا القانون مجمّـد الآن ولم يعرض بعد على مجلس النواب لإقراره لكنه لم يسحب رسميا من الحكومة) أو القانون المتعلق بحرية النفاذ إلى المعلومات والوثائق لضمان الشفافية ومحاربة الفساد أو ذاك المتعلق بـــ «الجرائم الإلكترونية»، فعلى كل واحد منهما ملاحظات عديدة أجلت عرضهما على البرلمان وجعلتهما خاضعين حاليا لتجاذبات مختلفة بين الحكومة وقوى المجتمع المدني اليقظ للغاية من مخاطر أي رجوع إلى الخلف.
لهذا رأت «لجنة حماية الصحافيين» ومقرها نيويورك في تقريرها الصادر أمس عن تونس أن الصحافيين هناك باتوا «عالقين بين القوات الحكومية من جهة والجماعات المتطرفة التي تعهدت الحكومة بمكافحتها من جهة أخرى» حيث «ثمة تبعات سلبية لهذا الموقف على حرية الصحافة إذ يدفع وسائل الإعلام إلى إظهار تحالفها مع الحكومة ويثبط الصحافيين عن تغطية موضوعات إخبارية محددة رغم أهميتها للمصلحة العامة» وهي المعضلة التي وقعت فيها كل الدول التي دخلت في مواجهات مختلفة مع ظاهرة الإرهاب.
المسألة الأخرى الجديرة بالمتابعة في تونس أن الصحافة المكتوبة التي نظمها بعد الثورة ما يعرف بالمرسوم 115، والصحافة السمعية البصرية التي نظمها ما يعرف بالمرسوم 116، مع وجود هيئة دستورية مستقلة لتنظيم عمل القطاع السمعي البصري بعيدا عن هيمنة الحكومة تعرف بـ «الهايكا»، وكلها أقرت في الفترة الانتقالية وقبل انتخاب برلمان جديد، مسائل مدعوة الآن للعرض على مجلس النواب للإقرار النهائي أو التعديل أو الإلغاء وكلها محطات لا يوجد إطمئنان كبير في أوساط الصحافيين أنها قد تمر بسلام فالخوف من حدوث انتكاسة مع جنوح السلطة السياسية، أي سلطة، لإعادة بسط هيمنتها لم يبرح الصحافيين.
تقرير «لجنة حماية الصحافيين» وغيرها من المنظمات الدولية المشابهة في دعم الصحافيين التونسيين تمثل سندا هاما لهؤلاء في هذه الفترة الرمادية الدقيقة لكن المعركة في النهاية لن تكون سوى معركتهم هم، رغم ما يشوب عملهم حاليا من هنات مهنية وسقطات أخلاقية عديدة لا بد من التوقف عندها بشجاعة ومعالجتها سواء بعد كسب المعركة الحالية، أو حتى بالتزامن معها. ضمان أصول المهنة وأخلاقياتها لا يقل قيمة عن حريتها فهما خطان متلازمان ومتوازيان.
٭ كاتب وإعلامي تونسي
محمد كريشان