لندن ـ «القدس العربي»: بدأت الولايات المتحدة تدرك ان هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية- داعش لن تتحقق بدون ضرب قواعد التنظيم في سوريا، ومن اللافت ان هذا التنظيم الذي اجتاح شمال العراق وغربه بسرعة ضوئية يحقق الآن تقدما في شمال سوريا ويعود للمواقع التي طرده منها تحالف مكون من فصائل سورية مسلحة- الجبهة الإسلامية وجبهة ثوار سوريا- بداية هذا العام، فالتراجع في سد الموصل ترافق بتقدم في حلب.
ويلحظ ان الخطاب السياسي في واشنطن يتغير يوما عن يوم وتتوسع أهداف العملية خاصة بعد قتل الصحافي الأمريكي جيمس فولي والشريط المصور الذي أثار ذعر وقلق المسؤولين الأمريكيين. فقد دعا وزير الخارجية الأمريكي جون كيري «لتدمير» التنظيم، وخرج الرئيس أوباما عن هدوئه المعهود ورد على مقتل الصحافي بوصفه داعش بأنه «سرطان» لا يمثل دينا ولا اخلاقا ضحاياه المسلمون أكثر من غيرهم، واعتبر تشاك هيغل وزير الدفاع داعش بأنه يمثل «تهديدا بعيد المدى»، أما رئيس هيئة الاركان المشتركة مارتن ديمبسي بالتنظيم «ذا رؤية القيامية وتجب هزيمته» « الذي يمثل تهديدا محتوما على الولايات المتحدة.
ورغم دعوته لاحتواء التنظيم الذي أعاد تشكيل خريطة كل من سوريا والعراق إلا ان تصريحات القيادة الأمريكية عن معركة تتشكل ضد تنظيم داعش يدور النقاش حولها في داخل أروقة الإدارة، ولا يتوقع الكثيرون ان تتحول الحملة عن أهدافها وهي مواصلة ضرب داعش، حيث ردت المقاتلات الأمريكية يوم الخميس على مقتل فولي بمواصلة الغارات. ولكن مسؤولا نقلت عنه صحيفة «الغارديان» قال ان «المهمة قد تتطور» فيما طالب الجنرال المتقاعد جون ألين الذي قاد القوات الأمريكية في افغانستان (2011-2013) باتخاذ قرار وملاحقته وتدميره.
وفي مقال نشره موقع لشؤون الدفاع دعا الولايات المتحدة التحرك بسرعة «للضغط على جهاز داعش العصبي وهزه ومن ثم تمزيقه لقطع»، ولكن أين هل فقط في العراق أم سوريا؟ وهو سؤال طرحه ديمسي «هل يمكن هزيمته بدون التصدي لذلك الجزء من المنظمة المقيم في سوريا» وأجاب «لا»، ولكن ديمبسي أو هيغل لم يقدما إشارة عن نية أمريكية لتوسيع الحملة لتشمل سوريا. ولم يقل هيغل ان أمريكا تخطط لضرب سوريا «فهذا يقتضي عددا من الأدوات واحدة منها الغارات»، و «لا أقول ان هذا سيحدث في سوريا، ويقتضي هذا ايضا استخدام كل وسائل السلطة الوطنية- دبلوماسية واقتصادية ومعلوماتية وعسكرية».
ملجأ آمن
وترى صحيفة «نيويورك تايمز» ان تصريحات ديمبسي القوية كانت واضحة في صراحتها خاصة انه أحد كبار مستشاري الرئيس العسكريين، وكان من أكثر المتحدثين صراحة في الحديث عن مخاطر القيام بغارات جوية والتدخل في الحرب الأهلية السورية. وتقول الصحيفة ان استراتيجية البيت الأبيض لم تتغير حتى الآن من «الاحتواء» لـ «التدمير» كما ان غارات أمريكية في سوريا تعني جر الولايات المتحدة وبشكل عميق للنزاع الذي حاولت الابتعاد عنه قدر الإمكان. ولكن هناك مخاطر ان لم تتحرك الولايات المتحدة ومواجهة داعش لأنه من الصعب هزيمة جماعة لها «ملجأ آمن» ان في العراق أو سوريا. وعليه أخذ المخططون العسكريون الأمريكيون هذا البعد بالحسبان فهم يتعاملون مع قوة متحركة بين البلدين، تستخدم المعدات العسكرية الأمريكية التي غنمتها من الجيش العراقي، وبحسب المسؤولين الأمنيين العراقيين فقد غنم التنظيم 20 دبابة روسية تي- 55 في سوريا والتي يمكنه استخدامها في غرب العراق.
وبحسب تقديرات استخباراتية أمنية فلا يمكن هزيمة داعش من خلال قتل كبار قادته، فطبيعة التنظيم اللامركزية تسمح له بالتعويض عن القيادات التي تقتل. وحسب مسؤول أمني «ان كان هناك درس تعلمه داعش من تجربته السابقة كتنظيم للقاعدة في العراق فقد كان وجوب توفر خطة للوراثة لأن خسارة قادة في عمليات مكافحة الإرهاب أمر متوقع»، وبناء عليه يتمتع التنظيم بطبيعة مرنة في التسلسل القيادي.
ورغم التقديرات التي تتداولها الصحف عن حجم قوات داعش إلا ان المسؤولين الأمريكيين يقولون انهم لا زالوا يقيمون وضع داعش وقوته وتقدير عدد قواته الحقيقي مع انها مهمة معقدة بسبب صعوبة تحديد المقاتلين الرئيسيين في التنظيم والقوات الداعمة لهم أو المتعاطفين معهم.
وتتراوح التقديرات ما بين 10- 17 ألف مقاتل وهذا العدد يضم 3 ألاف الذين اجتاحوا شمال العراق بداية حزيران/ يونيو، اضافة للتعزيزات التي وصلت من سوريا والمقاتلين الاجانب والآلاف من مقاتلي القبائل وضباط في الجيش العراقي السابق.
لم تتغير الإستراتيجية
وحتى الآن لم تتغير استراتيجية أوباما المحدودة التي بدأت بحماية الأيزيديين والأمريكيين في مناطق الأكراد وبغداد وتوسعت لتأمين سد الموصل.
وفي الوقت الذي حققت فيه الغارات الجوية نجاحا نسبيا يناقش خبراء عسكريون ان الولايات المتحدة تحتاج للدخول في معارك برية لهزيمة التنظيم وهو ما ألمح إليه الجنرال ألين الذي أكد بالضرورة على دور للمقاتلات الأمريكية وقال «في الوقت الحالي، ضرب مراكز قيادة داعش والمناطق المساعدة له والطرق الحيوية مهم لبداية عملية تفكيك المنظمة».
وبالنسبة للعراقيين فيجب عمل شيء أكبر من الغارات، فبحسب أثيل النجيفي، محافظ نينوى «يجب مواجهة داعش في كل المناطق، في شمال العراق وفي سوريا» أيضا. والمشكلة هي «العثور على شريك على الأرض يعمل معهم لأن المقاتلات لا يمكنها انهاء المعركة من الجو».
وحتى من هم في سوريا عبروا عن أمل في حدوث تدخل أمريكي مثل قبيلة الشعيطات في شرق سوريا التي حمل أبناؤها السلاح لمواجهة داعش، وهو ما أدى لعملية انتقامية أدت لأسر وقتل المئات من أبنائها.
ونقلت عن ناج من الهجوم قوله انه لا يفهم عدم قصف الولايات المتحدة سوريا كما تقوم بقصف العراق «اتمنى لو يقوم الأمريكيون بضرب قواعدهم أينما وجدت».
ورغم تمسك المسؤولين باستراتيجية الردع إلا انهم يتحدثون عن خيارات أخرى مثل زيادة وتيرة الغارات. فكما أظهر درس طالبان عام 2001 فمهمة سحق القاعدة كانت ناجحة لأن القصف الجوي على مواقعها في أفغانستان قرن بنشر فرق صغيرة من القوات الخاصة على الحدود بين أفغانستان والباكستان. ومن هنا فالغارات ضد داعش قد تكون أكثر فعالية لو تم تطبيق الشيء نفسه لتحديد مواقع وقوافل التنظيم. وهذا واحد من الخيارات التي تقوم وزارة الدفاع بدراستها في الوقت الحالي، أما الخيار الثاني فهو التسريع من عمليات تسليح وتدريب القوات الكردية وقوات الحكومة العراقية.
قلق في الكونغرس
ومن سيؤثر على أي فكرة لتوسيع الفعل العسكري هو الرأي العام والكونغرس الذي دعم عملية عسكرية محدودة، فباستثناء السناتور جون ماكين وعدد محدود من النواب ممن طالبوا أوباما بتدخل مباشر في العراق فالغالبية ظلت مترددة تجاه عملية قد تؤدي لالتزام طويل المدى.
ولكن فيديو ذبح فولي غير مزاج عدد كبير منهم ودعوا أوباما لتصعيد حربه على الجهاديين.
ومع ذلك فهناك قلق من جر الولايات المتحدة في حرب طويلة، وبحسب النائب آدم شيف عن كاليفورنيا «يشعر الديمقراطيون والجمهوريون بقلق بالغ من تورط في احتلال بسبب إمكانية مقتل أمريكيين». فيما طالبت دايان فينشتاين، رئيسة لجنة الأمن في الكونغرس بتنسيق الجهود وعمل مستمر لهزيمة المتشددين وانهاء تهديدهم الإرهابي.
وفي الوقت نفسه انتقد نواب آخرون الرئيس بأنه لم يقم بعمل ما يجب لمواجهة داعش وشرح خطرهم وبوضوح للرأي العام الأمريكي، وذلك حسب ماركو روبيو، النائب الجمهوري عن فلوريدا. ونفس اللغة ظهرت في تصريحات نائب كنساس الجمهوري مايك بومبيو الذي قال ان «الطريق الحالي الذي يسير عليه الرئيس محدود جدا ولن يؤدي لنتائج، ويجب علينا عمل ما هو ضروري لسحق داعش وحماية الامريكيين».
بدون سوريا
ورغم اللهجة الحادة إلا ان قليل من هؤلاء النواب حدد ما يريد من أوباما عمله حتى الدعوة لعملية عسكرية في سورية التي ستكون خطوة محفوفة بمخاطر سياسية. فعندما ذهب أوباما للكونغرس لأخذ رأيه في عملية عسكرية ضد نظام الرئيس الأسد العام الماضي بعد الهجوم الكيماوي على الغوطة قرب دمشق، حيث تردد النواب.
ولم يتغير الكثير منذ ذلك الوقت فبحسب النائب الديمقراطي بيتر ويلتش عن فيرمونت «هذه الحادثة المريعة جعلت الكثيرين في الكونغرس يتحدثون عن العمل العسكري» و «لكن هذا لا يعطينا مبررا لتجاهل دورس جورج بوش في العراق».
وعبر شيف عن قلقه من توسيع أوباما مهمته المحدودة لتشمل ضرب داعش قرب سد الموصل. وفي الوقت الذي أعطى فيه مقتل فولي المحافظين الجدد المبرر لقرع طبول الحرب إلا ان محللين يرون ان اوباما لديه القدرة على مواجهة الضغوط وان ليس بشكل كامل حسب ستيفن وولت من معهد جون أف كينيدي في هارفارد.
ويرى كينث بولوك من معهد بروكينغز ان مقتل فولي وان كان مروعا لكنه لا يعتبر «مبرر الحرب» ولتوسيع العملية العسكرية. «هو عمل بشع ويجب ان يذكرنا مع من نتعامل وان لا يكون لدينا أي وهم إلا ان الوقائع السياسية في العراق وسوريا لم تتغير» وهذه الحقائق تعني بالنسبة للولايات المتحدة البحث عن شركاء في العراق وفي سوريا حيث قدمت الإدارة أسلحة غير فتاكة للمعتدلين ورفضت التدخل. لا يتوقع بولوك تغيرا في مقود القيادة نحو التدخل رغم المطالب من قبل الحزبين لعمل شيء «ولست مقتنعا بمقتل فولي كسبب لعمل هذا» حسبما نقلت عنه «نيويورك تايمز».
والسؤال يظل حاضرا ماذا ستفعل الولايات المتحدة كي تقضي على خطر داعش، فصحيفة «اندبندنت» البريطانية ترى ضرورة استخدام كل المتاح من غارات جوية وتعاون مع حلفاء على الأرض- عراقيين وبيشمركة وان لم تنفع هذه فيجب إرسال القوات الخاصة. وفي هذا السياق كتب ديفيد إغناطيوس في صحيفة «واشنطن بوست» مثمنا رد فعل أوباما على مقتل فولي، ومذكرا ان المعركة ضد «الشر» طويلة.
وقال ان أوباما اتخذ الخطوات المناسبة من الغارات وحماية الأيزيديين واسترداد سد الموصل الذي لم يكن في الخطة.
ورغم تأخر أوباما في توضيح استراتيجيته للأمريكيين إلا انه يسير على الطريق الصحيح. واهم ما جاء في مقالته هي ان استراتيجية «القتل الإباحي» التي مارسها داعش مكتوب عليها بالموت، فقد انشغل زعيم القاعدة أسامة بن لادن في أيامه الأخيرة في أبوت أباد بمراجعة أخطاء التنظيم وحاول إصلاحه وإخراجه باسم جديد لكن أبو بكر البغدادي على ما يبدو لم يستوعب مراجعات استاذه بن لادن.
تعاونوا مع الأسد
اما مالكوم ريفنكد، وزير الخارجية والدفاع السابق في حكومة المحافظين فقد دعا للتعاون مع النظام السوري لهزيمة داعش.
ونقلت صحيفة «فايننشال تايمز» عن ريفكند الذي يشغل الآن منصب رئيس لجنة الشؤون الامنية في البرلمان البريطاني قوله ان القتل البشع لفولي هذا الإسبوع يدعو للتحرك ضد هذه الجماعة الجهادية التي لم يثر صعودها في الشرق الأوسط انتباه أحد.
وقال «يجب سحق داعش ويجب ان لا نشعر بالحرج حول كيفية عمل هذا»، حتى لو اقتضى الامر التعاون مع النظام السوري «أحيانا قد تضطر لعقد علاقة مع أشخاص بغيضين من أجل التخلص من أشخاص أبغض».
رغم ان فكرة التعاون مع النظام السوري ظلت غائبة عن تصريحات المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين، فيما قال بن رودس نائب مستشارة الامن القومي الأمريكية ان «الاسد هو جزء من المشكلة».
وكان ريفكند من أكثر الداعين في البرلمان البريطاني للتدخل في سوريا ضد نظام الأسد خاصة بعد الهجوم الكيماوي في الغوطة الشرقية ولكنه قال «علينا التعامل مع الحقائق على الأرض وليس كما نريد ان تكون».
وهو لا يرى أي شهية للتعامل مع الأسد لكنه يقارن أي تعاون معه مثل تعاون دول الحلفاء مع جوزيف ستالين أثناء الحرب العالمية الثانية لهزيمة النازية. وقال «فكرة القيام بعملية عسكرية في العراق لا يكون لها بعد سوري غير متصورة، وتحول سوريا لملجأ آمن لداعش فكرة سخيفة».
وكانت القوات السورية قد زادت من حملاتها ضد داعش الذي يحاول السيطرة على اخر معقل للنظام في مطار الطبقة العسكري قرب الرقة الواقعة تحت سيطرة التنظيم. وتقول الصحيفة ان عددا من المحللين الأمنيين والعسكريين يشاركون ريفكند الرأي. وحتى الذين يشكون في حيوية التعامل مع نظام الأسد لضرب داعش يرون ان التخلص من هذا الأخير سيكون في صالح النظام. وبحسب شانشك جوشي، الباحث في المعهد الملكي للدراسات المتحدة «داعش في سوريا هو الفيل في الغرفة» مضيفا «على الاقل ستعتمد الولايات المتحدة وحلفاؤها على النظام السوري بطريقة أو بأخرى لضرب داعش بالمطرقة».
إبراهيم درويش