قلق في المغرب حول تنامي ظاهرة الانتحار

حجم الخط
3

الرباط ـ «القدس العربي»: أصبح الانتحار أو التهديد به من أهم الإشكاليات التي تؤرق المجتمع المغربي في الوقت الحالي خاصة مع تفاقم معدلات البطالة والفقر في البلاد. وتعددت وسائل وطرق الانتحار، حيث أصبحت ظاهرة تسلق الأعمدة الكهربائية والتهديد بالانتحار من على قمتها طريقة جديدة أصبح يعتمدها بعض المغاربة احتجاجا على أوضاعهم الاجتماعية، في حين يلجأ العديد من النساء إلى الانتحار حرقا وذلك تعبيرا عن رفض الإهانة والظلم، أو احتجاجا عما يتعرضن له من عنف واغتصاب.
ويرى باحثون مغاربة في علم الاجتماع، أن هناك فرقا بين الانتحار والتهديد به، وأن هذه الظاهرة، بدأت تلفت النظر في السنوات الأخيرة، وذلك بتداخل عدة دوافع منها ما هو نفسي، أو اجتماعي أو اقتصادي. وأن الذي يهدد بالانتحار لا يريد أن ينتحر، وإنما يريد أن يثير الانتباه حول قضية يدافع عنها أو بعض المشاكل التي يعاني منها، سواء تعلق الأمر بمواجهته لظلم أو حيف، أو ضياع لبعض حقوقه.
ومن أهم قضايا الانتحار التي أثارت الرأي العام المغربي، قضية «أمي فتيحة» التي أضرمت النار في جسدها بعد إحساسها بـ «الحكرة» والإهانة جراء إقدام رجل سلطة على حجز بضاعتها من رغيف «البغرير» وصفعها.
ولم يمر بعدها سوى شهرين فقط على وفاة ما بات يطلق عليها بـ»شهيدة الكرامة» التي لم تترك لها ألسنة اللهب أي فرصة للعيش، متأثرة بجروح بليغة. حتى ظهرت حالة انتحار جديدة، كانت ضحيتها فتاة قاصر تدعى خديجة السويدي، التي أقدمت هي الأخرى على إحراق جسدها، بعدما تعرضت لاغتصاب جماعي، من قبل ثمانية أشخاص وتلقيها تهديدات بنشر الفيديو الذي كان يوثق للحظات إغتصابها. بالإضافة إلى قضية بـ «أمي عائشة» وهي سيدة مسنة تسلقت لاقطا هوائيا خاصا بالاتصالات، مهددة برمي نفسها احتجاجا على قيام أقاربها ببيع أرض من ملكيتها عن طريق الاحتيال.
ويرى الباحث الاجتماعي علي الشعانبي، أن شيوع الانتحار ناجمٌ عن «تراكم الإحباط والعقد نتيجة التطلع لتغيير المستوى الاجتماعي، ما يجعل الإنسان ينزع نحو الانتقام من الذات، وتحول العدوانية الخارجية إلى العدوانية نحو الذات».
وقال عبد اللطيف الركادي، الأخصائي في الطب النفسي العصبي، أن بعض الاضطرابات النفسية، مثل الاكتئاب وثنائي القطبية وانفصام الشخصية، قد تقود إلى الانتحار في مراحلها المتأخرة إذا لم تعالج.
وكشف تقرير حديث لمنظمة الصحة العالمية، عن أرقام صادمة تتعلق بعدد حالات الإنتحار، والتي احتل فيها المغرب مراكز متقدمة ضمن باقي البلدان العربية. وحسب التقرير فقد حل المغرب في المركز الثاني عربيا.
وأشارت الإحصائيات، إلى أن هناك 3 ملايين مغربي يتمنون الموت، بفعل انتشار نسب البطالة والفقر والإكتئاب. وأفادت إحصائيات رسمية في المغرب، أنّه تُسجّل أكثر من 1500 حالة انتحار في السّنة، بالإضافة إلى مئات من محاولات الانتحار. من هذه الحالات نجد أن 85 في المئة منها، تمت شنقًا بواسطة حبل أو حزام، وشملت 65 في المئة من الذكور مقابل 35 في المئة من الإناث، مع وجود حالاتٍ لا يتمُّ التّصريح بها، خاصّة في القرى تجنبا للفضيحة.
في مقابل ذلك، تقرّ إحصائيات أخرى أن 16 في المئة من المغاربة يفكّرون في الانتحار، و14 في المئة من اليافعين بين سن 13 و15 سنة فكرّوا في الانتحار في مرحلة ما، حسب وزارة الصحّة المغربية. وفي تقرير أعده معهد الأرض من جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة في قياس السعادة، بالاعتماد على مدى شعور الأفراد بالسعادة والرضا في حياتهم، احتل المغرب مرتبة متدنية إذ جاء في المرتبة 99 من أصل 156 دولة شملها المسح
ولا يعاقب القانون الجنائي المغربي على الانتحار الفردي، أو الجماعي، وبالتالي فإنه لا عقوبة على محاولة الانتحار. أما بالنسبة للفصل 407 من القانون الجنائي، يقضي بعقوبة حبسية من سنة إلى خمس سنوات في حق كل شخص ساعد عن علم في الأعمال التحضيرية، أو المسهلة للانتحار، أو زوده بالسلاح، أو السم، أو الأدوات اللازمة للانتحار. إلا أن السياسة الجنائية المتبعة في المغرب، حسب خبراء، أبانت عن فشل كبير. وأصبحت حالات الانتحار في المغرب متكررة بشكل أصبح يثير الرعب داخل العائلات، لكون الدولة ما زالت تتحفظ عن الإقرار بكونها أصبحت ظاهرة اجتماعية يجب معالجتها.
وأطلقت جمعية «ابتسامة رضا» وهي إحدى المنظمات المدنية القليلة في المغرب، المهتمة بالتوعية حول الظاهرة، حملة تحت شعار «أوقفو الصمت» مشيرة إلى أهمية التطرق إلى قضايا الشباب، بهدف الوقاية من السلوكات الخطيرة والظواهر التي تنتشر في صفوف هذه الفئة، ولاسيما ظاهرة الانتحار. وترتكز هذه الحملة، على مجموعة من المبادرات للتوعية بمشاكل الشباب، ولاسيما إطلاق حملة على مواقع التواصل الاجتماعي لطرح خطورة ظاهرة الانتحار الذي يعد السبب الرئيسي للوفاة في أوساط الشباب في العالم.
وقالت رئيسة ومؤسسة الجمعية، مريم العراقي، إنه يمكن التدخل قبل تفاقم المعاناة والوصول إلى درجة الانتحار، مبرزة أن الجمعية استعانت، في إطار هذه الحملة، بخبيرين كنديين للاستفادة من تجربتهما في هذا المجال، من خلال تدريب بعض المتطوعين.

قلق في المغرب حول تنامي ظاهرة الانتحار

فاطمة الزهراء كريم الله

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية