بيروت ـ «القدس العربي»: ماذا سيحل بمخيمات النازحين السوريين في جرود عرسال وفي عرسال البلدة؟ سؤال بدأ يُطرح مع خروج مسلحي «جبهة النصرة» مع عائلاتهم ونازحين آخرين إلى إدلب. الدخول في لعبة الأرقام صعب، حين لا تكون هناك احصاءات دقيقة، وحين يكون النازحون موزعين على مخيمات عشوائية وفي أماكن متفرقة.
إلى أعلى الجرود لجأ المسلحون يوم نزحوا من القلمون، وسكن بعض عائلاتهم معهم، فيما اتخذ بعضهم الآخر من مخيمين قرب الملاهي في وادي الحميد القريبة من الجرود ملجاً لهم. هنا رقم النازحين يتفاوت لدى الجهات الإغاثية. والسبب غياب أي احصاء رسمي، ولاسيما للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ذلك أنه بعد أحداث 3 آب/اغسطس 2014 التي جرى فيها استهداف مواقع للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي من قبل تنظيم «الدولة الإسلامية» و«جبهة النصرة» واختطاف عسكريين على خلفية توقيف أحد الرموز العسكرية على حاجز للجيش عند أحد المعابر بين عرسال البلدة والجرود، قام الجيش اللبناني بإنشاء حزام أمني يفصل بين جرود عرسال والبلدة، ما أدى إلى عزل هذين المخيمين في منطقة الملاهي، لكونهما خارج الحزام الأمني. وهما اللذان شهدا مداهمات من قبل الجيش قبل أسابيع من عملية الجرود أدت، حسب مدير مؤسسة «لايف» المحامي نبيل الحلبي، إلى «مقتل 19 مدنياً واعتقال نحو 360 رجلا وقاصرا ووفاة عدد منهم جراء التعذيب وهم رهن الاعتقال لدى الجيش اللبناني».
الحلبي يقدر العدد بنحو 15 ألف نازح، غالبيتهم من النساء والأطفال. منهم من غادر مع القوافل باتجاه شمال سوريا، ومنهم من نزح إلى قلب عرسال.
الرقم الذي أعلنه المدير العام للأمن العام عن عدد الذين سجلوا أسماءهم للمغادرة بلغ 10الآف نارح، لكنه توقع أن يُبدل البعض رأيه، وهو ما حصل بالفعل.
وتقول نائبة رئيس بلدية عرسال ريما كرنبي إن العدد الأكبر من الذين غادروا هم من المخيمين قرب الملاهي إضافة إلى عائلات كانت تسكن في أعالي الجرود، فضلاً عن نازحين من المخيمات في البلدة وعدد ممن يقطنون في مخيمات بقاعية. تروي كرنبي التي كانت تأخذ من حاجز الجيش موقعاً لها: «هناك عائلات كانت قد سجلت إسماءها لكنها عدلت عن الفكرة. كانوا يسألونني ماذا نفعل. فكنت لا أدري بما أجيب. لا أستطيع أن أشجعهم على الرحيل فأنا لا أعلم ماذا سينتظرون ولا أستطيع أن أشجعهم على البقاء أيضاً. كنت اكتفي بالرد: هذا قرار يعود لكم وحدكم. إذا كنتم لا تريدون الرحيل، فأنتم مرحب بكم هنا».
لم يكن الإعلان عن مغادرة 7777 نازحا محض صدفة. فحتى الرقم أراد الإعلام الحربي التابع لـ«حزب الله» أن يوظفه في خدمة الدعاية الإعلامية لـ«النصر المبين». فاشارة النصر التي يرمز إليها الرقم «7» أرادت عيون الميليشيا أن تكرر مرات أربع. غريبة هذه «النزعة» التي تتخطى كل الحدود والمحرمات والكرامات الإنسانية والبشرية.
الدفعة الثانية تشمل وفق ما هو مسجل 3486 شخصاً هم عائلات وأقارب مقاتلي «سرايا أهل الشام»، الفصيل الذي ينتمي لتشكيل الجيش السوري الحر، والذي انسحب من قتال «حزب الله» في المعركة. وسيعودون إلى مناطق النظام في القلمون. فالتسوية التي كان يتم العمل عليها منذ فترة أفضت إلى عودة المسؤول في سرايا أهل الشام «أبو طه» مع عائلته واقاربه إلى القلمون. ويرددون في عرسال أن «أبو طه» أراد أن يختبر بحاله وبعائلته وأقاربه ظروف العودة ونية النظام، ولا يريد أن يعرض أحداً من النازحين لأي مخاطر بفعل غياب الثقة. وهناك من يرى أن الدفعة الثانية ستليها دفعات أخرى بعدما يطمئن الناس للعودة.
في وادي حميد، سيفكك مخيما النازحين، وسيتم نقل من بقي فيهما إلى داخل عرسال، وهو إجراء يريح النازحين ويطمئنهم بعدما أصبحت ميليشيا «حزب الله» في الجرود، ولا يتعرضون كذلك إلى مداهمات ماثلة لتلك التي كانت تجري سابقاً. كما أن انتقالهم إلى داخل البلدة من شأنه أن يريح أهل عرسال الذين ينتظرون انتشار الجيش في منطقة المناشر للعودة إلى العمل في مناشرهم الحجرية. فغياب وجود نازحين في الجرود يعفيهم من عمليات التفتيش الدائم والتدقيق التي كانت تحصل بفعل وجود المسلحين في الجرود.
بلدية عرسال تقترح على مفوضية اللاجئين أن يتم العمل على إعادة تنظيم المخيمات المنتشرة عشوائياً في البلدة. في إحصاءات كرنبي أن هناك 127 مخيماً عشوائياً أصغرها يحتوي على 20 خيمة وأكبرها على 100 خيمة. بدأ الاقتراح يلقى قبولاً سواء لدى النازحين أو المفوضية. اقتراح سيسهم بإعادة تنظيمهم ضمن منطقة أو أكثر في عرسال، بحيث يخففون من وطأة الازدحام السكاني وازدحام السير في قلب البلدة ومن الضغط على شبكات الصرف الصحي وعلى الخدمات الحياتية، وبحيث يسهم هذا التنظيم في خلق بيئة سليمة لهم.
يتم اليوم الحديث عن وجود 100 ألف نازح في مخميات عرسال. العدد قد يكون أقل من ذلك ببضعة آلاف، في رأي المسؤولة في البلدية التي تُولي هذا الملف أهمية خاصة.
وإذا كان من الصعوبة التكهن بما سيكون عليه حال أبناء عرسال، بعد معركة الجرود، وما إذا كانوا سيعودون إلى أرزاقهم في المقالع التي سيطر عليها «حزب الله» في معركته الأخيرة مع «النصرة» أو سيعودون إلى مزارع الكرز والمشمش التي حرموا منها كلياً، عقب سيطرة «حزب الله» عليها في معركة الجرود الأولى في 2015، فإن من الصعوبة أيضاً قراءة المستقبل الذي يتنظر النازحين في عرسال وغيرها من المناطق البقاعية والشمالية، في ظل القلق الذي يعتري منظمات حقوقية من حالات التعبئة العنصرية حيال النازح السوري، واعتباره مصدر كل المشاكل الاجتماعية والحياتية وسط تقديرات لإجمالي عدد النازحين يتراوح بين مليون و100 ألف ومليون و200 ألف.
قلق يساور أيضاً المحامي نبيل الحلبي الذي يعتبر أن الحكومة الحالية جاءت بصفقة من ضمن بنودها العودة القسرية للنازحين إلى مناطق النظام، وهي عودة تعني لكثيرين موتاً محتماً في السجون السورية، فضلاً عن أن السلطة اللبنانية تكون بذلك القرار الدولي 2254 الذي نص على عودة النازحين إلى مدنهم وبلداتهم.
ما يدعو إلى الريبة، وفق رئيس مؤسسة «لايف» التي تعنى بنشر ثقافة حقوق الإنسان وفي حلّ النزاعات، والتي تولي مسألة النزوح السوري الأهمية، ما وصل المؤسسة من معلومات مفادها قيام جهاز أمن الدولة اللبناني باستدعاء ناشطين سوريين لسؤالهم عن نشاطات قاموا بها في بدايات الثورة. استدعاءات لا تُفهم مراميها وأهدافها إلا في سياق ممارسة ضغوط ممنهجة على السوريين، إذ يتوق جزء من أركان النظام اللبناني الحالي إلى عودة العلاقات بين البلدين إلى سابق عهدها، ويعمل بشتى السبل لتحقيق ذلك.