تونس – «القدس العربي»: قليبية، اسم يستمد مكانته التاريخية من مدينة ضاربة في القدم وقلعة شامخة شاهدة على محن الزمن منتصبة على شاطئ البحر قبالة جزيرة صقلية الإيطالية.
موقع استراتيجي ونقطة تجمّع لجزر حوض البحر المتوسط، اشتهرت بالسمك وهو ما يشهد على قدم مينائها ودوره في تنشيط الدورة الاقتصادية في المنطقة (وهو اليوم رابع أكبر ميناء صيد في تونس) فضلا عن دوره العسكري على مرّ التاريخ.
قليبية البربرية عنوان لتمازج الحضارات
تقع مدينة قليبية في أقصى الساحل الشرقي للرأس الطيب المعروف بـ»الوطن القبلي» في تونس، وكانت قديما تسمى «أسبيس» ومعناها في اللغة اليونانية «الترس» حيث تقع على الربوة المحاذية للمدينة قلعة تحميها كما يحمي الترس المحارب.
ويُعتقد أن اليونانيين هم الذين أسسوا المدينة وسموها، لأن لفظ قليبية أو «كلوبيا» أطلقه عليها الرومان فيما بعد، ولعلهم قصدوا به القلعة التي بناها الفينيقيون في القرن الثامن قبل الميلاد، ليتحكموا في المضيق بين قليبية وجزيرة «بنتالاريا» الإيطالية (قوصرة قديما) حيث استقروا.
ويُروى أن القائد اليوناني القادم من صقلية أغاتوكل هو الذي حارب الفينيقيين وهدم القلعة، ثم أعاد بناءها وأسس مدينة قليبية بعد دمارها وأقام فيها مصنعا للسفن.
والأرجح أن اسم قليبية القديم «اسبيس» وإن كان من وضع اليونانيين فلا يؤكد أن المدينة من تأسيسهم، لأنهم كانوا يترجمون أسماء الأعلام والمواقع والآلهة إلى لغتهم، فيكون عندئذ اسم «اسبيس» ترجمة لاسم بربري، ويؤكد هذا تعدد أسماء المواقع البونية «البربرية» في جهة قليبية.
ويذكر المؤرخ التونسي محمد فنطر في محاضرة له نقلا عن المؤرخ الفرنسي شارل أندري جوليان أن القائد الروماني ريغليوس احتل قليبية وهدمها ونهبها عام 256 قبل الميلاد، إلا أنه سرعان ما استرجعت المدينة حريتها وصمدت أمام القائد الروماني فاليريوس، ولم تستسلم إلا في الحرب البونية الثالثة أمام القائد الروماني سيبيون الإفريقي.
وبعد استقرار الأوضاع إثر انتهاء الحروب الأهلية في عهدي ماريوس ويوليوس قيصر، ارتقت قليبية إلى مصاف المستعمرات الرومانية المتمتعة بالإمتيازات، مما ساعد على ازدهار اقتصادها وانتعاش تجارتها البحرية وتوسع عمرانها، ولم يقص على ذلك سوى الاحتلال الوندالي.
أمّا في العهد الإسلامي، فقد كانت قليبية خلال غزوات الإسلاميين المرسى الذي يفر منه النصارى من الفينيقيين والرومان إلى جزر قوصرة وصقلية وسردينية وجنوب ايطاليا.
وذكر ياقوت الحموي في «معجم البلدان» أنّ الرّوم لمّا زحف عليهم العرب الفاتحون تجمّعوا في مدينة قليبية ومنها رحلوا إلى جزيرة قوصرة. وما أن تمّ فتحها أيام حسّان بن النعمان حتّى صارت قليبية مرسى لانطلاق الأسطول الإسلامي لفتح الجزر القريبة.
وكان لهذه المدينة (كغيرها من المدن التونسية) ازدهار كبير في العهدين الأغلبي والفاطمي قضى عليه الزحف الهلالي ثم النورمان او النورمانديين (خليط من شعوب أوروبية اسكندنافية) الذين بدأوا الهجوم على قليبية منذ أيام السلطان تميم بن المعز بن باديس خلال النصف الثاني من القرن الخامس للهجرة.
وتقول مصادر تاريخية إنّ «روجار» ملك صقلية النورماندي هجم على قليبية زمن السلطان يحيى بن تميم فلم يقدر عليها لتجمّع أكثر العرب فيها.
وممّا يدلّ على ازدهار المدينة ومناعتها، استقرار عدد من مسلمي جزيرة مالطة بها بعد إجلائهم من الجـــزيرة عــام 1240 للميــلاد، إلاّ أنّ تداول الغزاة على المدينة ســـاهم في خرابها حتّى ظهرت للوجود مدينة قليبية الجـديدة بعيدا عن الأولى بنحو كيلومترين.
وحتى قليبية الجديدة التي تبدو أكثر أمنا وتحصينا، لم تسلم هي الأخرى من مظالم البايات (ولاة ممثلون للدولة العثمانية حكموا تونس لعدة قرون)، فضلا عن المجازر التي ارتكبت لاحقا خلال فترة الإستعمار الفرنسي.
أحداث وحضارات كثيرة تعاقبت على «قليبية» ساهمت في تنويع تركيبتها السكانية وكان على البربر (أوّل من استوطنها عبر التاريخ) أن يتصاهروا ويختلطوا في السلم والحرب بمن غزا المدينة أو استقر فيها من الفينيقيين والرومان والعرب خاصة منهم أعراب بني هلال الذين أطلقوا أسماء قادة منهم على مواقع عدّة تعرف بها حتّى يومنا هذا ومثال ذلك مدينة منزل تميم ومنزل ابراهيم ومنزل عيسى ومنزل حرّ ومنزل بوزلفة.
وقد تفاعلت هذه العناصر الاجتماعية عبر التاريخ وتشابهت عاداتها وتقاليدها إلى حد يعجز معه المرء عن استظهار الأصول والفرق بينها، ولا شك أيضا أن تلك العناصر المكونة لسكان قليبية ومنطقتها تركت آثارها الشاهدة على أطوار حياتها وملابسات تاريخها.
قلعة منيعة وبرج شامخ ومرسى عتيق
ولعلّ أهم ما يلفت إنتباه الزائر لقليبية، قلعة مشرفة على المدينة شاهدة على قدمها ومناعتها وصمودها ضد الغزاة والطامحين باحتلال المدينة.
ولم تكن هذه القلعة برجا من أبراج سور يحيط بالمدينة كما هو الحال في سائر المدن المسوّرة، بل إنها منفصلة عن المدينة والأسوار التي يبدو أنها كانت تحيط بها فيما مضى.
وكانت هذه القلعة معسكرا لحامية من الجند تتكفل بمراقبة البحر لحماية المدينة والمرسى من غزوة برية محتملة، بسبب القيمة الاستراتيجية لموقع قليبية ودور مينائها التجاري والحربي، ونتيجة عدم استقرار الأوضاع في البحر المتوسط بسبب الصراع المستمر بين اليونانيين والرومان والفينيقيين.
وواصلت القلعة الإضطلاع بهذه المهمة العسكرية والأمنية خلال العهد الإسلامي إبّان الصراع بين الفاطميين والنورمان ثم بين العثمانيين والإسبان.
والقلعة منيعة وشامخة وساكنة، الطريق إليها مسلك طويل بنحو مئتي متر وعرض أربعة أمتار، ينحدر من القلعة إلى المدينة ومحمي في جانبيه بسور متين ومدعّم بثمانية أبراج للمراقبة أقواسه متساوية وذات طابع أغلبي.
أما السور الذي كان يحيط بالمدينة فلم يبقَ له أثر، ربما لأنه لم ينقب عنه بشكل كافٍ، غير أنه ما يلفت الانتباه أن المدينة رغم ما كان يحيط بها من أسوار، كانت تحتاج دوما للاستنجاد بالحامية المقيمة في القلعة أو البرج، وخير دليل على ذلك هو الطريق التي تربط بينهما، وهي عبارة عن مسلك طوله مائتي متر وعرضه أربعة أمتار، مستقيم ومنحدر من القلعة إلى المدينة ومحمي في جانبيه بجدارين يبلغ ارتفاعهما خمة أمتار.
واعتقد البعض أن هذا المسلك كان طريقا لعبور ابنة ملك الرومان إلى حمام كان يقع غربي المدينة، وكان العامة يطلقون عليه اسم «ممشى بن الريّ»، غير أن متانة البناء والاحتياطات الأمنية المتبعة خلال بنائه تؤكد أنه كان يستخدم أساسا لعبور الجنود.
أمّا المرسى العتيق فقد لعب دورا كبيرا في النشاط التجاري وخلال الحروب بصفة متكاملة مع القلعة، ولكنه اندثر فاتجهت الأنظار إلى المرسى الجديد.
وتمكن أحد أبناء المنطقة لاحقا من الكشف عن المرسى القديم الذي يقع في جنوب مدخل الميناء الحالي، وهو عبارة عن حوض مستطيل كبير محفور في الصخر بعمق عشرة أمتار وطول مئة متر وعرض ثلاثين مترا، ويُعرف اليوم عند العامة بـ»دويرة سيدي الغازي مصطفى البحري» المدفون في المقام المجاور له من جهة الشمال.
وقد يكون الغازي مصطفى أحد القراصنة أو القادة البحريين الأتراك الذي استعملوا المرسى للتصدي لأسطول الإسبان، رغم أن هذا لا ينفي قدم المرسى الموجود أساسا منذ عهد الفينيقيين مؤسسي «كركوان» المدينة العظيمة القريبة من قليبية.
ويكتشف الباحث عن آثار قليبية أيضا جملة من المباني والقطع الأثرية التي تشهد على عراقة المدينة والجهة عموما، ومنها مقبرة رومانية شمال المدينة وقناة لجلب ماء الشرب من بعيد وأعمدة وتيجان وأرضيات مزينة بالفسيفساء ومطامير (حفر) عديدة ونقوش رومانية، فضلا عن منزل فخم ذو طابقين تحيط به أروقة وبيوت مزينة بلوحات ذات مشاهد صيد وحيوانت مختلفة كالديك والنمر، كشفت عنه حفريات أجريت في الستينيات من القرن الماضي.
وثمة «فوروم» (ساحة عامّة) واقعة أمام الكابيتول (البناء) وعدد من الأعمدة والقطع المنحوتة والمزخرفة المتناثرة في هذا الموقع الأثري.
شاطئ قليبية: درّة المتوسط
وسابع أنقى شاطئ في العالم
تعتبر»قليبية» ثالث أكبر مدينة سياحية في محافظة نابل التونسية بعد مدينتي نابل والحمّامات ذات الشهرة العالمية.
وتتميزالمدينة بتعدّد شطآنها (شاطئ مرسى قليبية، شاطئ الفتحة، شاطئ البالج، المنصورة، الشاطئ الصخري،سيدي منصور) وبصفاء مياهها وهدوء أجواءها وقد احتل شاطئ قليبية المرتبة السابعة من بين 35 شاطئا صنّفت مياهها الأنقى والأكثر شفافية، وذلك حسب تصنيف أصدرته صحيفة «دايلي نيوز ديغ» بداية السنة الحالية.
وحسب ذات الصحيفة فان مياه شاطئ قليبية لم تقنع فقط التونسيين بل تجاوزت ذلك وأحرزت مكانا من بين المراتب العشرة الأولى عالميا.
ومن بين الشواطئ التي تم إدراجها ضمن هذا التصنيف، شاطئ «واكاتنبي» في اندونيسيا و شاطئ «توبارمري» في كندا و بحيرة «دوف» في استراليا.
واليوم، يتذكر كلّ سائح عابر وهو جالس في إحدى المطاعم السياحية على شاطئ المنصورة في قليبة، يتناول طبقا مميزا من «الحوت (السمك) المشوي» أنه في مدينة كلّ ما فيها ينبض بروح حضارات وثقافات اجتمت ذات يوم على الضفة الجنوبية للبحر المتوسط.
حسن سلمان