قليلاً من المراعاة… قليلاً من الحياء أيها الكرادلة

حجم الخط
1

ليس من عادتي الخوض في تقويم الآخرين، لكن حين يتعلق الأمر بالحرية في التعبير، وبمراعاة حق الإنسان في أن يمارس رغباته بالطريقة التي ترضيه، خاصة الأصوات الشابة التي هي في بداية الطريق، لا يمكنني السكوت.
مناسبة هذا القول ما ألاحظه من هجمات مسعورة على كثير من الكتابات هنا، أو هناك بحجة الجودة. إن أمرا من هذا القبيل أعده حقا أُريد به باطل. ولا يسعني إلا أن أوجه الانتقاد – في هذا الباب- إلى الكرادلة الذين ينصبون أنفسهم قضاة في مجال لا محاكمَ فيه، ويمارسون تفتيش القرون الوسطى من دون ان يطلب منهم أحدٌ ذلك، وأقول لهم، اتركوا الناس يعبرون عن أنفسهم بعيدا عن الوصاية والحجر، ولا يحق لأحد أن يزايد في هذا الصدد على أحد.
في مجال الشبكة التواصلية الاجتماعية يحق للجميع أن يتكلم، وأن ينشر ما يريد، فهي ليست مجلة، أو دورية علمية، أو منتدى علميا. من يرى في نفسه أنه فريد زمانه في الأدب والنقد واللغة عليه أن يترك الشبكة، وليبحث لنفسه عن ركن آخر يليق به. وأظن أنه حتى هؤلاء الذين يظنون أنفسهم قد تربعوا على القمة، لهم سقطاتهم وعثراتهم ونصوصهم الرديئة، لا يوجد كاتب فوق الأرض- مهما بلغ من الإبداع الرتبَ الرفيعة- لم يخنه قلمه في لحظة ما.
الكتاب المزيفون هم من يدعون أن ليس لهم كبوة. أيها الناس لا تقضوا على الزهرات، وهي تتفتح، لا تسدوا الأبواب أمام اليافعين، والشباب، بدلا من ذلك ساعدوهم وجهوهم. لم أرَكم يوما على هاته الصفحات الضوئية التي تريدون احتكارها لأنفسكم تمارسون دوركم الطبيعي في توجيه النصح لأبنائنا، وتزويدهم بما يحتاجون إليه من إرشادات. لم أرَكم تنزلون من أبراجكم الوهمية لتتفضلوا بتبيان طرائقكم في الكتابة، أو توضيح كيفيات الكتابة التي ينبغي للنشء اتباعها، لم أرَكم تساهمون في نشر بعض المقالات أو السطور تشرحون فيها ما يستغلق على الشباب من أمور الفكر أو الإبداع. فمن السهل اتهام الجميع، وادعاء الطهارة، من السهل الزعيق، ومن السهل تصدر المشهد، لكن من الصعب جدا امتلاك خصال الصبر على الآخرين، والتماس الأعذار لهم. لقد سئمنا ميراثكم الثقيل، أيها الكرادلة، سئمنا استحواذكم على المشهد الثقافي، وقهركم لأبنائنا باسم معايير جائرة غير دقيقة، وملفقة على نحو مثير للشفقة. اتركوا كتبكم ونصوصكم تتكلم، لن تنالوا الحظوة باصطناع سلطة وهمية، وفي يدكم المسطرة تقيسون بها العالم. أيها الكرادلة الذين لا تكفون عن البكاء على الثقافة المغربية، قولوا لي فقط ما الذي تفعلونه لصالحها، لا تقولوا لي إنكم تكتبون، الجميع يكتب، بل قولوا لي ما انخراطكم في المجتمع ثقافيا؟ ما الوقت الذي تخصصونه لمصاحبة الشباب في تجاربهم، وصقل مواهبهم؟ ما الأصوات التي صنعتم؟ ما حجم مساهمتكم في خدمة الإبداع المغربي؟
لا شيء.. ربما قضيتم على مواهبَ كثيرة، بما جنت حناجركم المتنطعة، وأنانيتكم، وتعاليكم البائس.. التاريخ وحده هو الذي يملك الحق في الحكم على من يستحق البقاء، ومن لا يستحقه، فاتركوا التراكم يفرز الأجود، واتركوا أبناءنا يطمحون ولو قليلا في أن يكونوا كما أرادوا، لا كما تريدون أنتم، حتى الطبيعة تكره إنتاج النسخ لأنها ضد الاختلاف.. رجاء، لا تلعبوا دورا في مسرحية مكشوفة، وكفوا عن عبثكم بالكف عن تحويل الآخرين إلى دمى تتحكمون في خيوط تحريكها.. لم يعد الزمن هو الزمن الذي في أذهانكم، الكل تفطن لدوركم الخفي الذي لا تعلنون عنه: «وحدي نضوي على البلاد»، لا.. لم يعد ذلك مقبولا.. الأصوات الجيدة قادمة، وكل عصر له جيله.

* أديب وأكاديمي مغربي

عبد الرحيم جيران*

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية