قمة التغير المناخي في باريس والفرص الضائعة لإنقاذ كوكب الأرض من التلوث البيئي

حجم الخط
0

باريس ـ «القدس العربي»: اللقطة الجماعية التي جمعت العدد الأكبر من قادة العالم ورؤساء الدول والحكومات الحاضرين في قمة التغير المناخي التي استضافتها باريس على مدى أيام لم تكن كافية ولا مؤشرا إيجابيا للوصول إلى اتفاق ملزم لخفض الانبعاثات الغازية والحد من الاحتباس الحراري الذي يهدد مناطق بأكملها ويغرق جزر ويطمرها بالمياه.
كثرة الحاضرين لهذا المؤتمر كانت لافتة، إذ لم تشهد أية قمة بشأن المناخ من قبل هذا المستوى من المشاركة على صعيد قادة العالم، وهو ما يمكن أن يعتبر مؤشرا على وعي غير مسبوق بمخاطر الاحتباس الحراري وإن ظل مقترنا بخلل في الفعل وترجمة التمنيات على أرض الواقع.
هذا الحدث المنتظر، والذي تُعَلَّق على نجاحه ونتائجه، الآمال الكبار في أن يصل العالم إلى اتفاق دولي قوي وملزم، من شأنه أن يضع حدا لتفاقم التغير المناخي ونتائجه المدمرة، التي تنامت في مختلف مناطق العالم يخضع الآن لتقييم للخبراء والمنظمات الدولية المعنية بالتغير المناخي. ومن بداية الشهر الحالي تمركز نحو أربعين ألف مشارك من 195 دولة عبر العالم في منطقة لوبورجيه الفرنسية التي تحولت إلى شبه ثكنة عسكرية محاطة برجال مدججين بالأسلحة بسبب الأوضاع التي مر بها البلد. وعمل الحاضرون على مدى عشرة أيام على التوصل لاتفاق بشأن مستقبل الكوكب الأرضي وتناقشوا سبل إنقاذه وتجاوز الافرازات التي تسببت فيها الملوثات والمخلفات الصناعية على مدى عقود ساهمت في حدوث اختلالات بيئية عويصة. وحتى اللحظات الأخيرة التي تسبق موعد إسدال الستار على المؤتمر يعتبر مسؤولون كثر تواصلت «القدس العربي» معهم في العاصمة الفرنسية باريس أن مفاوضات مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في نسخته الحادية والعشرين ماضية في طريقها للفشل إذا استمرت الدول في تقاعسها. وشددوا في الوقت نفسه على ضرورة تغيير قواعد العمل من أجل التوصل الى نتائج ملموسة.

تجارب فاشلة

الأجواء السلبية التي تخيم على المؤتمر منذ افتتاحه تأتي على خلفية التجارب السابقة التي تمتد إلى نحو عقدين من الزمن حينما فشل المجتمع الدولي في مسعاه للتوصل لاتفاقية حول حماية البيئة. ومن أبرز الأمثلة التي يسوقها المتشائمون بروتوكول كيوتيو المتفق عليه عام 1997 حيث لم تتعهد سوى 37 دولة صناعية بأهداف بيئية ملزمة. ومنذ سنوات عقدت عدة مؤتمرات وصدرت نداءات قوية من أجل التحرك لحماية الكرة الأرضية، لكن بدون نتيجة. وتعمل الرئاسة الفرنسية للمؤتمر للتوصل إلى مستوى تقديم كل بلد على حدة ببرامج لحماية البيئة، تخضع بصفة منتظمة للمراقبة وتكون المنطلق للتوصل لاتفاق شامل خلال الفترات المقبلة.
وقال الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، في هذا الصدد: «بعد ست سنوات على فشل مؤتمر كوبنهاغن، لن نتوصل إلى اتفاق مثالي».

ضغوط فرنسية لإنجاح المؤتمر

الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند الذي تترأس بلاده دورة المؤتمر الحالي، حفز نظرائه الحاضرين إلى باريس واستغل وجودهم للتأكيد على ضرورة بذل المزيد من الجهود لضمان مستقبل الكوكب. أما الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي تعد بلاده ثاني ملوث في العالم بعد الصين، فدعا نظراءه إلى «أن يكونوا على مستوى التحدي»، والعمل منذ الآن من أجل ضمان مستقبل البشرية مع اعترافه بنسب التلوث العالي التي تتسبب فيها بلاده.
واعتبر أولاند أن المؤتمر «انطلق بشكل جيد»، حتى وإن لاحظ «عقبتين»: مشيرا إلى نظرائه بلغة مباشرة: «إما أن نحمل المركب ويغرق، وإما نخفف حمولته ولا يذهب إلى أي مكان». وأضاف «يجب أن يكون مركبا يجعل العالم يتقدم للسنوات المقبلة مع أفق وهدف وسبل لنكون متأكدين من الوصول إلى أقل من درجتين» مئويتين لحرارة الكوكب.
وتعالت التصريحات الرسمية في المنصة الشرفية في جلسات الافتتاح لتصب جميعها في خانة ضرورة التحرك وتسريع الخطوات من أجل تقليص التلوث البيئي الحاصل لتبقى في تقدير المنظمات غير الحكومية المهتمة بالبيئة مجرد فقاعات لن تحرز أي تقدم ولن تساهم في الحد من انتشار ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. وأعدت الأمانة العامة للمؤتمر حتى الآن نصا أوليا من خمسين صفحة موزعة على فصول رئيسية، من أهمها خفض انبعاثات الغازات المسببة لمفعول الدفيئة، وهو هدف بعيد المدى، والتكيف مع التغير المناخي وتمويل سياسات دول الجنوب على صعيد المناخ، وآلية لرفع التزامات الدول بصورة منتظمة وغيرها.

الدول النامية والهروب إلى الخلف

ربطت الدول النامية الحاضرة في قمة المناخ 2015 بباريس نجاح مفاوضات هذا الموعد العالمي بتعهد الدول الغنية بتقديم تمويل لمكافحة ارتفاع حرارة الأرض.
وتعتبر هذه المجموعة أن مفتاح الحل يكمن في تقديم الأغنياء لدعم مادي وعلمي لدول الجنوب حتى تتكفل بالالتزامات التي تشير إليها نصوص الاتفاقات التي يتم التوصل إليها. وقالت سفيرة جنوب أفريقيا نوزيفو مساكاتو ديسيكو رئيسة مجموعة الـ77 والصين التي تعد من أهم الجهات الفاعلة في القمة أن «مسألة التمويل حاسمة» لإنجاح المؤتمر. وهذه المجموعة التي تضم 134 بلدا فقيرا أو ناشئا متضررة من الخلل في المناخ والظواهر الناجمة عن ذلك لكنها تملك أقل الوسائل لمواجهة ذلك.
ومع أنها تضم دولا مسببة لانبعاثات كبيرة للغازات في العالم مثل الصين والهند، تساهم هذه المجموعة بأقل درجة في الغازات المسببة للاحتباس الحراري منذ الثورة الصناعية. أما الهند التي تُعتبر من الأطراف المحوريين في المفاوضات، ويترتب عليها تأمين الكهرباء لـ300 مليون نسمة ومكافحة الفقر، فتعوّل كثيراً على الفحم الذي يعتبر من مصادر الطاقة الأكثر تلويثاً.

وعود بمئة مليار دولار

تستند الدول النامية إلى معاهدة الأمم المتحدة للمناخ مطالبة بتمويل الانتقال إلى الطاقات الخضراء والتكيف مع نتائج التبدلات المناخية. وتخشى دول المجموعة من محاولات دفعها لفرض رسوم على استهلاك شعوبها على وسائل الطاقة الاعتيادية مما يترتب عنها تبعات اجتماعية لا ترغب في الوصول إليها. ووعدت الدول الغنية في 2009 بزيادة مساعداتها لتصل في 2020 إلى مئة مليار دولار سنويا. ويفيد تقرير لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن مساعداتها بلغت 62 مليارا في 2014. والدول النامية تريد أن تتسلم فعلاً مبلغ 100 مليار دولار سنوياً، الذي وعدت به دول الشمال حتى العام 2020، وأن يزيد هذا المبلغ تدريجياً بعد هذا الموعد مع تخصيص جزء كبير من هذه الأموال، للتكيف مع آثار تغير المناخ.

الكثير من الحديث والقليل من العمل

الشأن البيئي في الدول العربية «لا يتجاوز مستوى الحديث، فيما يظل بعيدا جدا عن الفعل» و»القرارت تتخذ عموما في هذه البلدان دون أن تراعي إن كانت تخدم المواطن أم لا، ولا تتم مشاركته فيها أيضا». وفق توصيف مسؤول أحد الوفود الرسمية الذي تواصلت معه «القدس العربي». ويعد التصحر ونقص المياه والجفاف من أبرز المشاكل التي بدأ العالم العربي بمواجهتها جراء التغير المناخي ومخاطر الانحباس الحراري. ويرى مراقبون أن العالم العربي يقع في قلب المشاكل المناخية التي يحاول المؤتمر الدولي في باريس إيجاد حلول لها.
ويشترك العرب مع بقية العالم في التغيرات المناخية التي كبدت العالم خسائر كبيرة جراء الجفاف والتصحر وموجات الحرارة المرتفعة التي باتت تشكل جزءاً من المشاكل التي تعاني منها المنطقة العربية. وقد لا تكون هذه المواضيع في صلب اهتمامات المواطن العربي، في ظل الحروب والمشاكل الاقتصادية في المنطقة. كما أن العواصم العربية لم تشهد مظاهرات لنصرة قوانين البيئة وإنقاذ الأرض، كما هو الحال في بعض العواصم الأوروبية، إلا أنه مع كل ذلك، فإن هذه التغيرات المناخية ستكون لها انعكاسات مباشرة على حياة ورفاهية المواطن العربي.

الشرق الأوسط الأكثر
تأثرا بالاحتباس الحراري

وكشف تقرير أعده «المنتدى العربي للبيئة والتنمية» ومقره بيروت عن إمكانية توفير ما قيمته 100 مليار دولار خلال عشر سنوات لو تم استثمار ما قيمته 20 مليار دولار في مجالات المياه والطاقة والبنى التحتية. كما كشف التقرير العربي عن أن الدول العربية ستكون من أكثر المناطق تعرضاً للتأثيرات ومخاطر التغير المناخي المحتملة، وهي في قلب المشكلة المناخية الكبرى التي يواجهها العالم، خاصة التصحر ونقص المياه. وسوف يؤثر ارتفاع مستويات البحار بشكل مباشر على عشرات آلاف الكيلومترات المربعة من الأراضي الساحلية العربية. كما سيؤثر بشكل مباشر على نحو ثلاثة في المئة من سكان البلدان العربية.

جزر تغرق

سلط المؤتمر في جلساته المتعددة الضوء على أزمة الجزر التي باتت في «حال طوارئ مناخية» بسبب ارتفاع مستوى مياه المحيطات، وشدد مسؤولوها على ضرورة اتخاذ تدابير قوية وسريعة. واعتبرت سيلييا غوتييه، الخبيرة في السياسات المناخية لدى «شبكة العمل حول المناخ» التي تضم 900 منظمة غير حكومية: أن «كل الخيارات مطروحة، كل شيء ممكن، الأسوأ كما الأفضل». وتابعت أن «الخطابات أوجدت ديناميكية مهمة، لكن يتعيّن بذل جهود كبيرة للتوصل إلى اتفاق على مستوى الرهانات».

منعطف تاريخي

يفترض بالاتفاق الذي تأمل الأطراف بالتوصّل إليه بحلول 11 كانون الأول/ديسمبر، أن يسمح للعالم بدخول منعطف تاريخي للابتعاد من مصادر الطاقة الأحفورية التي تؤمن اليوم قسماً كبيراً من الطاقة في العالم، غير أنها تتسبّب باحتباس حراري غير مسبوق. ومن أجل الحصول على موافقة دول جنوب الكوكب، يترتب ضمان تمويل يسمح لها بمواصلة تنميتها بواسطة الطاقات النظيفة، ومواجهة عواقب التغير المناخي مثل تراجع المحاصيل الزراعية وارتفاع مياه البحار وذوبان الجليد وتضاعف الظواهر المناخية القصوى وغيرها.
وبانتظار رفع المفاوضين مشروع نص الاتفاق إلى رئيس المؤتمر وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، شكك مندوب النرويج إسلاك برون في آلية المفاوضات معتبراً أن المناقشات «تتراجع» في بعض الملفات في أثناء جلسة متوترة عصراً. وأعرب عن الأسف للمواقف «المتشددة جداً من الأطراف كافة» وغياب النية «لتقريب وجهات النظر». أكّدت الأطراف في عام 2011عزمها على إبرام اتفاق جديد بشأن المناخ في عام 2015، بغية دخوله حيّز النفاذ في عام 2020. ووفقا للنظام الداخلي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، التي تنص على تناوب انعقاد مؤتمر الأطراف بين المجموعات الإقليمية للأمم المتحدة، يقع دور استقبال مؤتمر القمة لعام 2015 على أحد بلدان أوروبا الغربية.
ووَضع اتفاق كوبنهاغن السياسي في عام 2009 ومؤتمرات كانكون (2010) وديربان (2011) والدوحة (2012) الأسس لهذا النظام الدولي الجديد، من خلال تكميل الصكوك القائمة في إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ وبروتوكول كيوتو.

سليمان حاج إبراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية