إسطنبول ـ »القدس العربي»: تنعقد، اليوم الاثنين، قمة هامة بين تركيا والاتحاد الأوروبي بمشاركة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تُجمع كل الأطراف على وصفها بـ«الصعبة» كونها تأتي في ظل خلافات متصاعدة في العديد من الملفات الهامة التي تحكم العلاقات بين الجانبين وترسم مستقبل العلاقات بينهما.
القمة التي ستعقد في مدينة فارنا البلغارية، والتي تحمل عنوان «تعزيز العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي» ستضم إلى جانب أردوغان رئيس الوزراء البلغاري بويكو بوريسوف، ورئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يانكر، إلى جانب زعماء أو ممثلي جميع دول الاتحاد.
وتأتي القمة في ظل تصاعد التوتر بين أنقرة وأثينا في بحر إيجه، والانتقادات الأوروبية لعملية الجيش التركي في عفرين، والحريات داخل تركيا، إلى جانب الاتهامات التركية للاتحاد باحتضان «الجماعات الإرهابية المعادية لتركيا» والإخلال باتفاقية اللاجئين وغيرها من الخلافات.
عضوية كاملة أم شراكة
وفي ظل الحديث عن بحث العديد من الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية الهامة بين الجانبين، يبقى العنوان الأبرز لهذه المباحثات يتعلق بمدى إمكانية قبول أردوغان الطرح الأوروبي الذي برز في الآونة الأخيرة والمتعلق بتعزيز التعاون والشراكة مع تركيا في الملفات الثنائية كبديل عن فكرة «العضوية الكاملة» لتركيا في الاتحاد الأوروبي والتي بات ملفها مجمداً بشكل شبه تام منذ سنوات.
وخلال السنوات الأخيرة، أبدت تركيا امتعاضاً شديداً من بطئ مفاوضات الانضمام وتحدث أردوغان عن أن بلاده «لن تبقى تستجدي على أبواب الاتحاد الأوروبي»، وهدد في أكثر من مناسبة بإجراء استفتاء لإنهاء وسحب ملف انضمام تركيا إلى الاتحاد، في المقابل أبدى الرئيس التركي رفضاً تاماً لمقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالتخلي عن فكرة «العضوية الكاملة» مقابل الحديث عن «شراكة أوروبية» أوسع مع تركيا.
وإلى جانب ملف الخلاف الرئيسي المتعلق بمسيرة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، تبرز العديد من الملفات الشائكة التي ستتناولها القمة بقوة والمتعلقة باتفاقية اللاجئين بين الجانبين، ومفاوضات توسيع اتفاقية الاتحاد الجمركي، والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب، إلى جانب مسألة إعفاء المواطنين الأتراك من تأشيرة الدخول إلى دول الاتحاد الأوروبي.
اتفاق اللاجئين
وعلى الجانب الأوروبي، يولي زعماء الاتحاد الأوروبي أولوية كبيرة للحفاظ على استمرار اتفاقية الهجرة (إعادة قبول اللاجئين) الموقعة مع أنقرة، التي ساعدت بشكل كبير جداً في تخفيف أعباء اللاجئين عن الاتحاد الأوروبي الذي واجه تحديات داخلية تاريخية بفعل أزمة اللاجئين التي كادت أن يطيح بنظام «الشنغن» الذي يعد أبرز ركائز قيام الاتحاد الأوروبي.
وبموجب اتفاق اللاجئين الذي وقع في آذار/مارس 2016 انخفض عدد الواصلين إلى الجزر اليونانية من تركيا بمعدل 98 بالمئة، إذ بلغ 853 ألف مهاجر عام 2015، وتراجع الرقم إلى 20 ألف و364 مهاجرًا عام 2017، فيما انخفض عدد طالبي اللجوء بنسبة 50٪، وهي أرقام تدفع الاتحاد إلى التمسك بقوة بهذا الاتفاق مع تركيا.
لكن في المقابل، فإن تركيا التي تقول إنها التزمت بهذا الاتفاق بشكل كامل، تتهم الاتحاد الأوروبي بعدم الالتزام به في جانبين الأول يتعلق بعدم دفع كامل المبالغ المستحقة على الاتحاد والبالغة 6 مليار يورو، وعدم الإيفاء ببند رفع تأشيرة الدخول عن المواطنين الأتراك.
والشهر الماضي، استبقت تركيا موعد القمة بالإعلان عن استكمالها الإجراءات اللازمة بشأن إلغاء تأشيرة دخول المواطنين الأتراك إلى الاتحاد الأوروبي، وقامت بتسليم الملفات اللازمة في هذا الإطار إلى رئاسة المفوضية الأوروبية، تتضمن خطة عمل تنفيذية، يتوقع أن تطرح بقوة في القمة الحالية، حيث يتوقع أن تعيد أنقرة التلويح بإلغاء الاتفاقية في حال لم تلمس تقدماً في هذا الملف.
في المقابل، استبق الاتحاد الأوروبي القمة بالموافقة على تقديم ثلاثة مليارات يورو جديدة إلى تركيا لصرفها على اللاجئين السوريين على أراضيها، بعد اتهامات واسعة من الجانب التركي بالمماطلة في تسديد المستحقات الأوروبية، كما أن الاتحاد أصر على دفع المبلغ ضمن مشاريع رافضاً طلب أنقرة بتسديده بشكل نقدي. وفي الوقت الذي كان الاتحاد الأوروبي يضغط على تركيا من أجل تعديل قانون مكافحة الإرهاب وسط اتهامات للحكومة باستخدام هذا القانون لقمع المعارضين، تصاعدت الانتقادات الأوروبية لأنقرة مع إطلاق الجيش التركي عملية غصن الزيتون ضد تنظيم وحدات حماية الشعب في عفرين بسوريا.
في المقابل، اتهمت تركيا الاتحاد الأوروبي مجدداً بالتهاون في مع أنصار تنظيم بي كا كا «الإرهابي» في الدول الأوروبية حيث نفذت عشرات الاعتداءات على قنصليات تركية ومراكز ومساجد وتجمعات للأتراك في أوروبا، إلى جانب تصاعد الأزمة مع رفض دول أوروبية تسليم صالح مسلم الزعيم السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري لتركيا بموجب طلب قدمته أنقرة للانتربول الدولي.
وفي الوقت الذي تتصاعد الخلافات حول الإرهاب المتعلق بالوحدات الكردية، يسعى الاتحاد إلى تعزيز التعاون القوي مع أنقرة في مكافحة الإرهاب المتعلق بتنظيم الدولة وأنشطة المقاتلين الأجانب من حيث التعاون الاستخباري والأمني وتبادل المعلومات.
اتفاقية الاتحاد الجمركي
وفي زحمة الخلافات السياسية، تسعى تركيا لتوسيع اتفاقية الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوربي الذي يعتبر الشريك الاقتصادي الأول لتركيا للاستفادة أكثر في الجانب الاقتصادي، ورغم مطالب أنقرة المتزايدة في هذا الإطار إلا أن الاتحاد لم يبدي رغبة في الاستجابة لهذه المطالب.
وفي اتصال هاتفي جرى بينهما قبل أيام، ناقش الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان مع نظيره الفرنسي، إيمانويل ماكرون، القمة، مشدداً على إيلاء تركيا أهمية لإكساب زخم للعلاقات مع الاتحاد الأوروبي، وإعادة إحياء مسيرة المفاوضات المتعلقة بانضمامها إلى الاتحاد.
وتزامن ذلك مع تصريحات للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أكدت فيها أن بلادها ترغب في بناء علاقات جيدة مع تركيا، وقالت في مؤتمر صحافي مع ماكرون على هامش القمة الأوروبية: «قادة الاتحاد بحثوا في القمة الاتفاقية المبرمة مع تركيا حيال مكافحة الهجرة غير القانونية»، مضيفةً: «نرغب في بناء علاقات جيدة مع تركيا؛ لكن لدينا مخاوف كبيرة».