الخوف من الكاميرا والإعلام قد تبرره حال الأمة وطبيعة الخلافات العميقة بين رموزها واجندات انظمتها.
لكن تحميل الكاميرا التي وظفت من أجل خدمة الزعماء لمخاطبة شعوبهم في مسلسل القمم العربية البائس مسؤولية النقل المباشر للصورة وبالتالي التقاط مشاهد اصبحت هي الخبر في القمة وليس القمة نفسها ولا بيانها الختامي سلوك غير منطقي ويعيد انتاج تلك الهواجس التي تدفعنا دائما للسؤال ما الذي يخشاه بصورة محددة أي زعيم او رئيس عربي.
نقول ذلك ونحن نراقب بحرص تلك المعاتبات الرئاسية والدبلوماسية العربية التي تحاول ايجاد الحصاة بعد التفتيش في طبق جميل من حيث التنظيم والأمن.
علمنا للأسف و يا ليتنا لم نعلم بأن بعض أعضاء الوفود الرسمية في قمة البحر الميت عاتبون جدا على تلك الكاميرا اليتيمة التي كانت في المكان وهي طبعا كاميرا التلفزيون الأردني.
بعض الزعماء تبين أنهم يقفون وبقوة خلف فكرة عزل الصحافة والإعلام تماما عن مجريات الاجتماعات والقاعة الرئيسية وهو ما رحبت به بكل حال الحكومة الأردنية.
عملية العزل تلك اثارت الهواجس المهنية والسياسية وايضا الفنية والتقنية حيث مئات الزملاء الصحافيين تتجول كاميراتهم في أرجاء البحر الميت بحثا عن أي حديث أو خبر أو معلومة بعدما كانوا معزولين تماما عن السياق والتفاصيل خلافا لما كان يحصل بالعادة في القمم العربية.
شاهدت بعيني زملاء تحت الشمس يتصببون عرقا بعدما أقاموا على شاطئ البحر الميت استديوهات مؤقتة ورصدت آخرين وهم يجولون المكان وسط عزلتهم بحثا عن أي متحدث وفي أي موضوع وكانت الكاميرات مرة تلتقط صور الأفق والشمس ثم التراب والطين.
ومرة ثانية تنظر لغربي البحر الميت على أمل التقاط ولو لحظة لها علاقة بأرض فلسطين الطاهرة التي أصبحت تسمى الآن اسرائيل ببيانات العرب مع ان محمود درويش قالها مبكرا كانت تسمى فلسطين وستبقى تسمى فلسطين.
العزلة للكاميرات خدمت الموقف السياسي وأخفت عيوب الدول العربية وخلافاتها لكن ما لم يخطر في بال الوفود الرسمية هو ان الكاميرا عندما تتحرك اليوم تلتقط كل صغيرة وكبيرة إذا كانت تنتمي لعصر الديجتال.
وما لم يخطر في البال ايضا ان الفريق التلفزيوني المستشرق الذي دعي لإدارة التغطية التلفزيونية غير معني اطلاقا بمراعاة الحساسيات الفردية عند الاشخاص لأنه ببساطة معتاد على تسجيل اللقطة كما تحصل دون زيادة او نقصان.
العتاب العربي لكاميرا التلفزيون الأردني الرسمي ليس في مكانه ولو تم تعيين ضابط بوليس أو مخابرات فوق كل كاميرا في المكان لما تمكنت أعتى الأجهزة الأمنية من اخفاء استرسال الزعماء والقادة والرسميين في بعض المشاهد التي يمكن اعتبارها انسانية وطبيعية في كل اجتماع والتي لا تضيف للمشاهد العربي جديدا في تصوراته عن زعماء هذه الامة.
استاء بعض الضيوف لأن الإعلام في أوطانهم وبلدانهم نقل عن الكاميرا الوحيدة التي سمح لها بالتواجد مشاهد غير مريحة عن قادة هذه الدول وزعمائها وكأن القائد والزعيم العربي ينبغي ان لا ينام اصلا او لا يعبث برجليه أو حتى لا يتعثر بين الحين والآخر كما يحصل مع بقية البشر.
العتاب على كاميرا تلفزيون الحكومة الأردنية ليس في مكانه ببساطة لأن المسؤولين عن إدارة هذه الكاميرا في بث حي ومباشر لا يمكنهم فجأة استبعاد لقطة يظهر فيها احد الرؤساء وهو يتعثر بطرف سجادة او بمقعد او حتى على سلم طائرة.. هذه اشياء تحصل دائما ولا تدعو للخجل وما يثير الخجل فعلا هو الخوف منها والحرص على ابعاد الكاميرات تماما وعدم ابلاغ الشعوب بما يجري وكأن مؤسسة القمة العربية تنظيم سري يعمل في الظلام مع ان البيانات الختامية وبشهادات كل الخبراء تستنسخ نفسها موسما تلو الآخر.
انزعج الزعماء لأن غرفة الكونترول التلفزيونية الأردنية لم تتصرف بسرعة عندما نام اربعة منهم في جلسة قصيرة اصلا او عندما شوهد خامس وهو يعبث بأصابع رجليه او عندما تعثر سادس.
هذه مشاهد لا تستوجب الاستياء فوفقا لما نعرفه تقنيا لا توجد طريقة في الكون لتجنب رصد نظرة رئيس وفد بمرتبة الرجل الثالث في دولته وهو يتابع جسد امرأة تعبر من أمام إحدى الطاولات تاركا الزعماء وهم في حالة خطابة ونقاش. كنا دوما أشرس الناس في انتقاد التلفزيون الأردني ولا زلنا نحتفظ بملاحظات عميقة وكبيرة عليه لكن تحميله مسؤولية النوم والتعثر والعبث بالأصابع وغيرها أمر ينطوي على مبالغة خصوصا وان البلد المنظم تفوق على نفسه في كل المعايير والتفاصيل.
لا توجد وسيلة تقنية للسيطرة على مشاهد اجتماع بهذا الحجم والأهمية ولا توجد طريقة لإخفاء عيوب الاشخاص أو حتى ارهاقهم وملامح تعبهم والعيب الحقيقي في وجود خلاف وصراع اصلا داخل جسد أمة واحدة.
لسنا في برنامج «الكاميرا الخفية».. و لا توجد تقنية في عالم الصوت من أي صنف يمكن ان تمنح صوتا متهدجا يخطئ بمخارج الحروف واللغة لحنا عذبا وحماسيا فحركة اللسان مرتبطة بالعمر والقدرة على الخطابة مرتبطة بالثقافة وهذه مسائل لا علاقة لها بقدرات الكادر الفني المميز في التلفزيون الأردني الذي انيطت به مهمة نقل فعاليات قمة عزلت عن الصحافة والإعلام وبقية الكاميرات بقرار من قادتها ورموزها.
٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»
بسام البدارين