بيروت ـ «القدس العربي»:التعبير الفني والصحافي، وكذلك السؤال المصيري الجريء لدى الأطفال فيه ما يبعث على الدهشة غالباً، ويفاجئنا نحن الكبار. مفاجآت ايجابية لا عد لها سجلها أطفال من فلسطين يقيمون في مخيمات بيروت. ما أن قررت الجنى/ مركز المعلومات العربي للفنون الشعبية أن تحركش مركز الإبداع المحتشد لدى هؤلاء الأطفال حتى أخرج القمقم أفكاراً مدهشة. مؤخراً كان معرض صور وآخر لأفلام فيديو في مكتبة «يافث» في الجامعة الأمريكية في بيروت بعنوان «نحن هنا» نال الكثير من الاهتمام والاعجاب. سبق واجتمع هؤلاء الأطفال للعمل على مشاريع وعناوين مختلفة منها الصحافيون الصغار، دارنا بعيدة وقريبة، وغيرها. تأسست «الجنى» سنة 1998 بالتزامن مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وبالتزامن مع الذكرى الخمسين لاقتلاع الفلسطينيين من أرضهم.
إذا المخيم، هذا الحيز المكاني الضيق، المكتظ حيث تعيش الغالبية الساحقة من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، أغنى خيال هؤلاء الأطفال، وترك التعبير لديهم ينساب عبر الصورة، الكلمة والحلم. فكانت جملة محطات تدعو للتوقف عندها بتقدير بالغ. ومن خلال هؤلاء الأطفال لا بد من الاعتراف أن الطفولة المحكومة بضيق الحال والفقر الواضح، والطفولة المحرومة من أبسط الحقوق منها تنشق الهواء وشرب الماء الصحي بأقل تقدير، تشكل خزّانا رحباً للأفكار المبدعة. فما وثّقه المصورون والمبدعون الصغار كان رائعاً.
بالعودة إلى المعرض، ورغم حياة المخيم، وما تثيره في النفوس المساحات الضيقة والمكتظة، كان لهؤلاء الأطفال أن يحلقوا بأفكارهم، ويكسروا بعض الأطواق المكبلة لحركتهم. هم يبحرون بعيداً في توظيف الكاميرا للموضوع الذي يعنيهم. حياة ناس المخيم مقيمة في نسيجهم الداخلي. لهم قدرة التقاط لحظة الفرح، التفكير، الموقف، الحنين وحتى الرومانسية. يصعب المرور على موقف سجلته العدسة، وإغفال آخر، لكن الاختصار واجب مهني. فلسطين الرمز هي الأصل، والطفلة الفرحة هي التي تمثلها. الحجاب، الزواج، التعلُم، الخطوبة، الشعارات الانتخابية، التحرير، المسجد الأقصى، الدمار، أسلاك الكهرباء التي هي جزء لصيق بحياة المخيم، جميعها أفكار تجسدها الصور العديدة التي تضمنها المعرض وكذلك الكتب المرافقة لتلك المهمة. كان جميلاً أن ذاك الفلسطيني الآتي من الأرض والبيارات، وجد حتى في حشرة المخيم مساحة للشتلة الخضراء. وهو اعترف للأطفال الصحافيين «حولنا التلال الرملية في برج البراجنة إلى بيارة مصغرة. كان لعين الكاميرا أن تسجل عفوية الناس بما لها من ألق وجمال وهموم ومشاغل يومية.
ولأنهم مصورون وصحافيون صغار عبروا من خلال الكاميرا والكلمة، منها «راح نعمر الدار ونزرع ورد وأشجار». لائحة أخرى دونت كافة حقوق الطفل من تعليم، صحة، لعب، دون اغفال الموقف «حق العودة للجميع». من صور المعرض صورة للمقاومة سهى بشارة وفي حضنها طفلة. عن تلك الحكاية يقول مؤسس «الجنى» معتز الدجاني: طلب مني فريق من الصحافيين الصغار لقاء مع الأسيرة المحررة كفاح عفيفي التي تزاملت لفترة من الزمن مع المناضلة سهى بشارة في الزنزانة نفسها. معرفتهم بها كانت بعد عمل تطوعي لها مع الأطفال في مخيم شاتيلا. في الزيارة اكتشفوا أنها متزوجة ولها طفلة تدعى سهى. قرروا التقاط صورة لسهى الطفلة وفي حضنها صورة سهى بشارة. عندما تحرر الجنوب أتى الفريق عينه طالباً حوارا مع سهى بشارة نفسها بحضور سهى الطفلة. وكان ما أرادوا في منزل كفاح الزوجي، وأجلست الطفلة في حضن سهى بشارة.
تنشط «الجنى» في المجتمعات المهمشة. تنفذ برامج مع اللاجئين الفلسطينيين، العراقيين والسوريين في لبنان. تأسست سنة 1990 كمركز معلومات يُعنى بذاكرة المجتمعات المهمشة، وإشراكها في توثيق تجاربها وثقافتها. يضيف معتز الدجاني: الأطفال والشباب عماد العمل الذي يحمل عنوان «الذاكرة النشطة». نركز النشاط معهم للتعبير عن قضاياهم من خلال الفنون، من خلال برنامج «التعلُم الفاعل والتعبير الإبداعي». أما برنامج «المصورون الصحافيون والفنانون الصغار» الذي بدأته «الجنى» سنة 1998 والمستمر حتى الآن هدفه منح فرصة التعبير لمجموعة من الأطفال المهمشين في لبنان للتعبير من خلال الصورة، الفيلم، الفنون والكتابة الصحافية والإبداعية.
إلى حيز نشاط آخر ينتقل الدجاني موضحاً كيفية اشراك الأطفال في اصدار موارد تعلمية ثقافية بحيث تكون من طفل لآخر. «ليس في المدارس الرسمية ومدارس الاونروا تعلُم، والأطفال يكرهونها. من المهم أن يكتشف الأطفال مواطن القوة في بيئتهم ومن ثم يبنون عليها ويعبرون. وبخاصة في المجتمع الفلسطيني الذي يتعرض لضغوط هائلة للتشتت والتفتت في منافي جديدة. لعقود تلت الاقتلاع تركز هم الفلسطيني على تعليم ابنائه، الآن صار الهم اخراجهم من لبنان لانعدام الحقوق الإنسانية. لهذا ركزنا في تدريب هؤلاء الأطفال على الحس النقدي والتعبير بإبداع». ويعلن الدجاني أنتجت هذه المشاريع افلاماً شاركت في مهرجانات عالمية ونالت جوائز. كما دارت معارض الصور حول العالم وتفاعلت مع الأطفال اينما كانوا. أن يصل صوت الأطفال لأي مكان في العالم، فهذا رافد لمناصرة حقوقهم.
من بين المشاريع الرائدة والتي اثمرت ما هو ملفت جداً كان مشروع سنة 1998 في ذكرى الاقتلاع الخمسين من فلسطين. الهدف كان الجيل الرابع الذي ولد في مخيمات اللاجئين في لبنان. السؤال: ما هي قضايا هذا الجيل وكيف يعبر عنها؟ وسائل التعبير تنوعت: صورة، كتابة صحافية، كتابة إبداعية، أفلام فيديو وفنون. مشروع تواصل لأربع سنوات جمع 30 طفلا وطفلة، رافقهم خلاله عددا هائلا من الفنانين. من بينهم مصور صحافي انكليزي، ثلاثة مخرجين، وفنانتان في الرسم. تجربة الأربع سنوات جُمعت في كتاب بعنوان: «صوت صورنا». نتوقف ملياً عند المشروع الأول «المصورون والصحافيون الصغار». فرق العمل المتعددة اختارت موضوعاتها بحرية تامة. وفي كل صباح كان ينطلق الفريق باتجاه الهدف الذي حدده. هؤلاء الأطفال عبّروا عن أنفسهم وأحلامهم. يقول معتز الدجاني: طلبنا منهم العمل انطلاقاً من ذاتهم وعائلاتهم. نتصفح الكتاب الذي كان لصورهم فيه صدى. عرّفوا عنها بتصوير لصور من دفاترهم العائلية. قال الصحافي الصغير من خلال رسم كروي بالعربية والانكليزية: من حقي أن يكون لي حق. وقال آخر برسم عبر الفحم مجسداً إنساناً تائهاً أو في حال دوار: الفلسطيني المش عارف حالو لفين رايح. وعندما طلب منهم تقديم نموذج لطابع بريدي قدم الطفل الفلسطيني وطنه «أم الزيتون» تتجاور مع شجرة الأرز. وأختار فريق آخر رصد اترابهم في المخيم، فكانت النتيجة صور تقول بالخيال الرحب لهؤلاء الأطفال في ابتكار تسليتهم، لهوهم وألعابهم. الجامع بين تلك الصور هي المساحة، فهي تكاد تكون مخنوقة. كان للسلاح وجود بين أيدي الأطفال. العمالة في عمر مبكر منتشرة. والتيه لا حدود له.
لهؤلاء الأطفال عين فنية بامتياز. جمع أحدهم في صورة بين قفص يحتجز عصفورا، ورجل مقعد على كرسي متحرك، هو أسر في اتجاهين. إلى جانب العين الفنية والإحساس المميزين السؤال: كم هذا الجيل معني بفلسطين؟ يعلن معتز الدجاني مفاجأة بأن المجموعات الست المؤلفة من 30 طفلاً قررت دون سابق تعاون وتنسيق العمل على ذاكرة سنة 1948 وما سبقها. ويضيف: فاجأتني كذلك جرأة الأسئلة. للمرة الاولى يُسأل الجيل الاول: «ليش طلعتوا؟ ما حاربتوا؟ لماذا بقي آخرون في فلسطين؟ الأجيال التي سبقت الجيل الرابع لم تطرح تلك الاسئلة؟ للأسف تبين أن الجيل الاول انقطعت روايته مع الجيل الرابع. بالسؤال لمعرفة السبب قالوا أنهم لا يرغبون بتحميلهم عبئ القضية بعد تنكر كل العالم لحقهم بالعودة.
في مساحة مكتظة بالباطون والسكان طلب من مجموعات الأطفال البحث عن الأمل الموجود في زوايا المخيمات التي يعيشون بها. فكانت الزراعة حتى في البيئة الرملية لمخيم برج البراجنة. الزراعة كانت جزءاً أساسياً من حياة الشعب الفلسطيني قبل النزوج. وحين سئل رجل عجوز عن ذكرى مادية يحتفظ بها من فلسطين، أتى للصحافيين الصغار بقنديل وأضاءه للمرة الأولى بعد الاقتلاع.
مشروعات «الجنى» مع الأطفال أثمرت الكثير منها ثلاثة أفلام فيديو نالت جوائز في مهرجانات خارج لبنان وهي موجودة على يوتيوب منها «أحلامنا متى»، «الله يستر»، «ليموناضة». المشروع مستمر مع أطفال آخرين وإن بعناوين جديدة. الطفولة نبع جمال وابداع لا ينضب. نحت هؤلاء الأطفال العديد من المراكب الخشبية الصغيرة ذات الاشرعة. لنا القراءة في اسمائها وهي لقرى فلسطينية معروفة كما الخالصة والصفوري. الهدف هو فلسطين وليس منافي العالم.
فعلا كان الصحافيون الأطفال جديرين بالمهمة التي اوكلت لهم.
زهرة مرعي