اعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس امس امام الجمعية العامة للامم المتحدة «عدم التزامه بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل»، وأن السلطة الفلسطينية «ستبدأ في تنفيذ إعلان عدم الالتزام بذلك، بالطرق القانونية والسلمية». وطالب اسرائيل بأن «تتحمل كافة مسؤولياتها باعتبارها سلطة احتلال»، وهددها باللجوء الى المحكمة الجنائية الدولية، وطالب الأمم المتحدة بتوفير نظام حماية دولية للشعب الفلسطيني. وقال: «أدعو الأمم المتحدة الي تحمل مسؤولياتها قبل فوات الأوان، خاصة وأن إسرائيل تعمل حاليًا علي تقويض مبدأ حل الدولتين».
هذه اذن «القنبلة» التي تعهد الرئيس الفلسطيني في حديثه الى «القدس العربي» بإلقائها في الامم المتحدة. ولكن اي نوع من «القنابل» تراها؟ هل قنبلة «صوتية» ام «دخان» ام «شديدة الانفجار» ام «قنبلة نووية»؟
الحقيقة المؤكدة انها «ستفجر على اي حال جدالا واسعا، تتباين فيه الآراء بين من سيقول ان عباس قد فعل كل ما يستطيع في ظل معطيات اقليمية ودولية بالغة القسوة، ومن سيعتبر انه لم يفجر قنبلة اصلا، بل ان خطابه جاء اقل مما كان متوقعا، وغلبت عليه العواطف والاسئلة والشكوى، بدلا من تقديم رؤية واضحة للنهج البديل الذي سيسلكه الشعب الفلسطيني لتحقيق مطالبه الوطنية المشروعة. وربما يكون للجانبين اسباب لا تخلو من وجاهة.
اما الاجابة عن هذه الاسئلة فيمكن ان تتحدد فقط في ضوء الاجراءات العملية التي سيترجم بها عباس «قنبلته» على ارض الواقع. وليس من المبالغة القول، انها ليست المرة الاولى التي يعلن فيها عن قرارات حازمة مثل وقف التنسيق الامني مع الاحتلال، وغير ذلك، بدون ان يجري تنفيذها.
وبكلمات اخرى فإن عباس، وقد تحلل من الاتفاقيات مع اسرائيل، اصبح مطالبا امام شعبه بتقديم خارطة للطريق البديل نحو الحرية. وبدلا عن الحديث عن «طرق قانونية وسلمية» وهي التي ثبت فشلها طوال اثنين وعشرين عاما، كان عليه ان يعلن صراحة ان الشعب الفلسطيني لم يعد امامه بديل سوى العودة الى الكفاح المسلح ضد الاحتلال، مدعوما بكافة المواثيق الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها ميثاق الامم المتحدة نفسها. ومع استجابة شعبية وفصائلية تتجاوز الخلافات والانقسام، وتفجر انتفاضة جديدة يكون عباس قد القى قنبلة «نووية» حقا قادرة على ان تعيد القضية الفلسطينية الى جدول اعمال زعماء العالم الذين لم يذكر اغلبهم كلمة «فلسطين» في خطاباتهم امام الجمعية العامة خلال الايام الماضية.
ومن غير هذا فإن الخيار الذي طرحه عباس، حتى مع اللجوء الى المحكمة الجنائية الدولية وهو طريق لم تثبت جدواه حتى الان، يقتصر عمليا على انتظار حماية دولية، وهذه لن ترى النور بسبب تربص الفيتو الامريكي. والضغط الاخلاقي على المجتمع الدولي، لا يتأثر بالعواطف، ليضغط بدوره على مجرم الحرب بنيامين نتنياهو ليستأنف المفاوضات، اي العودة الى الطريق المسدود ذاته.
ولا يمكن ان نتجاهل كذلك بعض الاسئلة البديهية، ومنها: هل تعني «قنبلة عباس» حقا «إلغاء» الاتفاقيات بما فيها «اوسلو» ام مجرد «عدم الالتزام بها»؟ والفارق بين الاثنين جوهري من الناحيتين العملية والقانونية. فاذا كان يعني «الالغاء»، الا يجب ان يؤدي هذا تلقائيا الى حل السلطة التي كانت «اوسلو» اساسا لإقامتها وبالتالي تنحيه عن رئاستها؟ والا كيف يطالب عباس اسرائيل بتحمل مسؤوليتها كـ»سلطة احتلال» في ظل استمرار وجود السلطة؟
وايا كان من كتب هذا الخطاب، فقد نسي ان يضمنه اعتذارا رئاسيا للشعب الفلسطيني امام العالم، لأن عباس نفسه كان «مهندس اوسلو» التي اعلن الغاءها او عدم الالتزام بها. «اوسلو» التي ادت عمليا الى تصفية القضية، ومنحت اسرائيل شرعية وجودها عبر اعتراف الضحية الذي سرعان ما اصبح مجانيا، وحان الوقت للتراجع عنه.
وفي المقابل سيرى البعض ان وجود السلطة اصبح مكسبا وطنيا مستحقا للشعب الفلسطيني، وان كان من نتائج اوسلو، تماما مثل تمكن الاف الفلسطينيين من العودة الى وطنهم بسبب الاتفاق، وبالتالي يجب التمسك به، خاصة بعد نجاحها في كسب اعتراف دولي واسع، توج بالامس اذ ارتفع العلم الفلسطيني على مقر الامم المتحدة، في اجراء لا يمكن التقليل من اهميته حتى اذا كان بادرة رمزية. ناهيك عن ان اختفاء السلطة يعني ان عشرات الآلاف من العائلات الفلسطينية ستفقد فورا المصدر الوحيد للدخل. المؤكد ان الرئيس الفلسطيني يسير وحيدا في حقل الغام. واذا كان الاحتلال الاسرائيلي هو اصل كل الشرور، فان هذا لا يقلل من الحجم الهائل للإضرار الذي عانت منه القضية الفلسطينية بسبب الانقسام الداخلي الفلسطيني، ناهيك عن اختفاء حاضنتها السياسية والشعبية التقليدية المتمثلة في العمق العربي مع طغيان الصراعات السياسية والطائفية على الاقليم. وعند منعطف كهذا، تظهر القيمة الحقيقية لمعنى الزعامة، فالرئيس الفلسطيني، وفي هذه السن، لم يعد يحتاج الى جاه او رئاسة او منصب، لكنه يحتاج الى موقف يذكره له شعبه، وينصفه به التاريخ.
رأي القدس