عندما يصل الرئيس التركي إلى واشنطن للمشاركة في مؤتمر الأمن النووي، يبدو أنه سيلتقي ايضا مع براك اوباما. وهو يحمل معه جرة فيها رائحة قضية الفساد التي ترفض تركه.
قنبلة الرائحة الكريهة تسمى رضا ضراب أو سراف، هذا يعتمد على جواز السفر الذي بحوزته إذا كان تركيا أو إيرانيا. لقد تم اعتقال ضراب قبل عشرة ايام على أيدي الـ «اف.بي.آي» في ميامي بتهمة الاخلال بالعقوبات التي كانت مفروضة على إيران. ولكن توجد للقضية جذور عميقة تطورت في تركيا على مدى أكثر من خمس سنوات.
ضراب متهم بأنه في اطار عمله كتاجر دولي للذهب، كان وسيطا في صفقات ضخمة تمت بين النظام الإيراني في عهد محمود احمدي نجاد وبين شركات دولية. والاموال التي حصل عليها مقابل الصفقات تم نقلها عن طريق بنوك في تركيا. وهو مسؤول ايضا عن انشاء «مسار الذهب» التركي، الذي دفعت تركيا في اطاره الذهب مقابل النفط والغاز من إيران. وبهذا تكون قد عملت على الالتفاف على العقوبات الأمريكية التي كانت سارية المفعول على الاموال وليس على الذهب، إلى أن أغلقت الولايات المتحدة هذا المسار أيضا.
قبل ذلك تم اعتقال ضراب في تركيا بتهمة تقديم رشوة لمسؤولين في الدولة، ومنهم أبناء ثلاثة وزراء رفيعي المستوى. اأيضاً ان رجب طيب اردوغان، بلال، متورط في هذه القضية. وقد كانت الرشوة ضرورية، كما يبدو، من اجل نقل الاموال عن طريق «هالك بنك» التركي، الذي تم اعتقال مديره العام بعد العثور على ملايين الدولارات في منزله والتي كانت مخبأة في صناديق الاحذية. اعتقال ضراب الذي حظي بظروف مريحة بشكل خاص، أثار ضجة سياسية كبيرة في تركيا لم تهدأ حتى الآن. وقد اتهم اردوغان في حينه المدعين وقائد شرطة اسطنبول ومئات من رجال الشرطة والقضاة، بالسعي إلى اسقاط حكمه. ومعظم هؤلاء تمت اقالتهم أو نقلهم إلى وظائف اخرى. وتم اطلاق سراح ضراب ومنحه وساما بسبب الخدمة التي قدمها لبلاده.
المسؤول عن ضراب كان رجل الاعمال بباك زنجاني، صاحب الكونجلومرت «سورينت» الذي كان مشمولا بقائمة المقاطعة الأمريكية بسبب الاخلال بالعقوبات. وقبل اسبوعين أصدرت المحكمة الإيرانية حكم الاعدام على زنجاني بسبب اتهامه بسرقة مئات ملايين الدولارات من خزينة الدولة، وادخال مبالغ طائلة إلى جيبه كان من الواجب أن تذهب لخزينة الدولة في اطار الصفقات التي عقدها باسم الدولة وأموالها. ومثال على ذلك أن زنجاني قام ببيع النفط والغاز بمبلغ ثلاثة مليارات دولار ووضع هذا المبلغ في بنوك في ماليزيا وتركيا باسم الحكومة الإيرانية. تركيا التي لم تستطع اعطاء الاموال لإيران استخدمت «مسار الذهب»، وبهذا الشكل استطاعت إيران أن تبقي رأسها فوق الماء في ظل فرض العقوبات عليها.
مع توليه السلطة، أعلن حسن روحاني عن سياسة صفر تحمل الفساد، وسارع إلى وضع يده على ممتلكات زنجاني، ليس فقط بسبب صلته بالفساد، بل ايضا لتصفية الحساب مع سلفه أحمدي نجاد الذي منح زنجاني الحصانة الكاملة وسلحه بكتب توصية للبنك المركزي الإيراني.
ضراب، الذي لم يعرف عن لائحة الاتهام ضده في الولايات المتحدة، من المتوقع أنه إذا أدين أن يبقى 75 سنة في السجن. لكن الامر الذي يخيف اردوغان هو ما الذي سيتم قوله عن تدخل نظامه في قضايا الفساد هذه، ولا سيما إذا تكشفت العلاقة بين الكبار في حزب السلطة أو أبناء عائلته وبين المليونيرات المعتقلين.
كما كان قبل سنتين، الآن ايضا يقوم مؤيدو اردوغان بنشر معلومات تقول إن المدعي الأمريكي، فريك براره، مقرب من حركة فتهولا غولان، العدو السياسي اللدود لاردوغان. وأن اعتقال ضراب هو جزء من مؤامرة اسقاط سلطته. المشكلة هي أن اردوغان لا يمكنه اقالة براره أو محققو الـ اف.بي.آي الذين اعتقلوا ضراب. ويجب عليه أن يتمنى أن جهاز القضاء الإيراني لن يقرر نشر بروتوكولات التحقيق مع زنجاني التي قد تشمل تفاصيل محرجة حول الشراكة التركية في قضية الالتفاف على العقوبات.
خصوم اردوغان في تركيا يعرفون أن فائدة كبيرة لن تنتج عن اعتقال ضراب. فالمحكمة قد تستمر لفترة طويلة. ولائحة الاتهام الأمريكية لا تتطرق إلى قضية الفساد في تركيا. وحتى لو تمت ادانة ضراب، فان ذلك سيكون على البنود التي لا تؤثر في السياسة التركية. وسائل الإعلام التركية ايضا، التي تؤيد اردوغان، تحاول التقليص من شأن القصة. أما منتقدو اردوغان في وسائل الإعلام يستخدمون الصياغات الحذرة كي لا يتعرضوا لرفع دعاوى تشهير ضدهم.
«الأمل الوحيد الآن هو أن يوضح جهاز القضاء الأمريكي كل شيء»، قال محرر في صحيفة مهمة لـ «هآرتس» وطلب عدم ذكر اسمه أو اسم صحيفته. «رئيس المافيا في الولايات المتحدة سقط وأُدين بالفساد وليس بالجرائم الكبيرة حقا».
هآرتس 29/3/2016
تسفي برئيل