بغداد ـ «القدس العربي»: يعيش العراقيون هذه الأيام في خضم تداعيات مفاجأة جديدة من الوزن الثقيل تعكس جانبا من طبيعة المأساة التي يمر بها البلد في ظل تفشي الفساد المالي والفشل الإداري والعجز عن تقديم ما يخدم الدولة والشعب وسط تحديات مصيرية تعصف بالبلد.
ولا تكمن أهمية كشف وزير الدفاع خالد العبيدي عن حجم الفساد في وزارته والضغوط التي يتعرض لها وتعرقل عمله، ولا في كشف طبيعة تعامل بعض الكتل والنواب في المؤسسة التشريعية الأولى في البلاد، مجلس النواب، مع الوزراء التابعين لهم، بل لأنها تعطي صورة ولو جزئية، عن استعداد تلك القوى والأفراد لاتباع كل الوسائل والطرق من أجل تحقيق مصالحهم الخاصة حتى ولو كانت على حساب امن الوطن ومكانة جيشه ومصالح شعبه.
وأظهرت الأسرار التي كشفها الوزير، حقيقة عقلية بعض الأحزاب والنواب الذين يعتبرون وجود وزير من كتلتهم في احدى الوزارات، ليس فرصة لتقديم الوزارة أفضل الخدمات للمواطنين، بل هي فرصة لا ينبغي اضاعتها لاستباحة تلك الوزارة وتسخيرها لمنافعهم وكأنها ضيعة ورثوها وعليهم استثمارها بكل الأشكال حتى في أشد الأوقات حراجة وتحديات وحساسية لأمن ومستقبل البلد.
ومع الأسرار التي كشفها العبيدي، ندرك بعض الحقائق وراء أسباب نكبات الوطن ومشاكله التي وصلنا إليها مثل ظهور التنظيمات الإرهابية في البلاد وتفشي وانتشار مافيات الفساد في الدوائر الحكومية وهدر المال العام وضياع سيادة وكرامة الوطن عند الدول الخارجية.
ان قناعة المواطن العراقي راسخة ولا تقبل الشك، بأن ما كشفه العبيدي في جلسة البرلمان ما هو سوى رأس جبل الثلج البارز في البحر والذي يخفي تحته جبالا من الفساد والفشل والانهيار الأخلاقي للطبقة الحاكمة وسياسيي الصدفة الذين ابتلى بهم عراق ما بعد 2003. ويقين الجمهور هو ان جميع الوزارات تعيش حالة الاستغلال نفسها إلى أقصى حد لخيراتها ليس من قبل الشعب العراقي بل من قبل الأحزاب والمافيات التي يتبع لها الوزير أو المسؤول.
والتساؤل المشروع الآن هو، إذا كان خالد العبيدي قد تصرف كمقاتل لا يخشى التحدي، وتجرأ على كشف جوانب من الضغوط التي تمارس على الوزراء من كتلهم لتحقيق مصالحهم الخاصة، فهل سنرى وزراء آخرين يدّعون الوطنية والدفاع عن مصالح الشعب وعن الدين، وهم يبادرون إلى كشف الضغوط المشابهة عليهم من كتلهم؟ وهل ستبادر الحكومة مثلا للإعلان عن نتائج التحقيق في سقوط الموصل؟ أو مصير 1000 مليار دولار اضاعتها الحكومات السابقة منذ 2003؟ أو كشف المسؤولين عن فقدان وقتل المئات من النازحين في الأنبار وديالى وغيرها؟ أو عن حقيقة الضغوط الإقليمية على الحكومة العراقية؟
نشك في ذلك! فعملية كشف العبيدي لحقيقة بعض النواب، لا تعدو كونها حالة فردية لها مبرراتها وأسبابها وسياقاتها ضمن سيناريو طويل من التسقيط السياسي لبعض الاسماء غير المرغوب فيها أو المنافسة ضمن مكون معين، وستبقى حيتان الفساد والمافيات الكبيرة بعيدة عن الكشف والمسائلة لأنها محمية بقوى سياسية وميليشيات لا يجرؤ أحد على التقرب منها.
لقد عززت اعترافات الوزير إضافة إلى طرح قانون امتيازات النواب الجديد في البرلمان، قناعة المواطنين أن معظم الكتل والقوى السياسية في واد، والشعب ومعاناته وتحدياته ومشاكله في واد آخر. إذ في الوقت الذي يتوقع من مؤسساته التشريعية والتنفيذية ان تتجاوب مع مطالبه وحاجاته الأساسية التي عبر عنها في التظاهرات والاعتصامات المتواصلة منذ عام، وان تعيد النظر في سياساتها وإدارتها للبلد لانقاذه من الإنهيار الشامل ومواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، إذا به يتفاجأ بان تلك القوى لا يشغلها سوى السعي وراء مصالحها وامتيازاتها وصفقاتها المشبوهة. وهذه الحقيقة ستكون بالتأكيد، مناسبة لإعادة النظر في اسلوب التحرك الشعبي مستقبلا للمطالبة بالحقوق ومحاسبة الفاسدين.
مصطفى العبيدي