إن الحديث عن الخلافة والحاكمية والدولة الإسلامية، وما أسفر عن كل ذلك من حروب وصراعات وأزمات في الأزمنة الحديثة، مرده في حقيقة الأمر إلى الوقائع الجسام التي حَلّت بالعَرب والمسلمين عقب الحرب العالمية الأولى.
ونقصد بذلك انهيار الإمبراطورية العثمانية ونظام السلطنة وسقوط الخلافة الإسلامية، وبناء الجمهورية التركية الحديثة. هذا الحدث أوعز إلى كتَّاب ورجال دين ومفكرين إلى محاولة استعادة الخلافة إلى المجال العربي، بالعودة إلى السلف والبعثة النبوية والنصوص القرآنية، وما يؤازرها من أحاديث في السيرة النبوية، خاصة منها توكيد أحقية آل البيت في الخلافة. وعليه، فالدعوة إلى الخلافة والدولة الإسلامية هي من تداعيات ومخلفات الفكر السياسي العربي والإسلامي، لما بعد انهيار الإمبراطوريات في التاريخ المعاصر.
ففي الوقت الذي سعت فيها دول العالم، التي جاءت على أثر سقوط الأنظمة الإمبراطورية بسبب الحرب العالمية الأولى، إلى بناء دول حديثة على قاعدة الأمة وملامح الوطن السياسي الجديد والنظام الديمقراطي وإرادة الشعوب، كمصدر للحكم، بقيت البلدان العربية والإسلامية تراوح في لحظة مَنْ يتولى أمر الخلافة بعد العثمانيين؟ إن لحظة انهيار الخلافة والسلطنة والإمبراطورية، لحظة زمنية قوية بتداعياتها ومضاعفاتها وزخمها على الأمة العربية وعلى الإسلام ذاته، بقيت أسئلته تثار في البلدان التي كانت إيالات وأقاليمَ الدولة العثمانية التاريخية.
إن التنظيمات الإسلامية، في صورها وأشكالها المختلفة، من سياسية وجهادية مسلحة.. كلها ترنو وتُبَشِّر ليس بدولة كما يجري تداولها في العالم الحديث والمعاصر، بل للانتقام منها كمؤسسة لم تَرِد في شريعة الله. أمَّا ما تدعو إليه فمجرد تصور ونسج الأوهام التي لا يعادلها واقع موجود، ولا قام شاهد على وجودها بالفعل أو إمكانية وجودها. وعليه، فالدولة على ما تبشر به الجماعات الإسلامية، خاصة في نسختها الأخيرة «داعش»، تأخذ صورة المؤسسة الجنائية، التي تنزل العقوبات على الناس الذين لا ينصاعون ولا يخضعون إلى أحكام أمير الجماعة وأعوانه، بعيدا عن كل مفهوم للمؤسسة والنظام القانوني والمجال العمومي. فالدولة الإسلامية، في التعريف والتحليل الأخيرين، تقتصر على الجهاز العقابي، وإن خطابها السياسي- الديني يخص فقط مفردات التعزير والنهي عن المنكر، لأن الذي أفرز تنظيم الجماعة المسلحة هو فساد السياسة الدولية في علاقتها بالعالم العربي والإسلامي. فالقراءة السياسية، بناءً على إشكالية التنظيمات الجهادية والدولة الإسلامية في صلتها بالسياسة الدولية، يظهر من جملة ما يظهر أن ما بعد الاستقلال عن الاستعمار الأوروبي الغربي، هو تواصل التاريخ ذاته في عهد الحكام العرب، الذين انصرفوا عن تطبيق الشريعة، ومن ثم يجب الانتقام من النظامين الدولي والوطني لفسح المجال للحاكمية. فما يجري الآن، ليس حالة قيد الاستقرار، بل آيلة دائما إلى زوال، تؤشر على ما بعدها، يغيب فيها تنظيم «الدولة الإسلامية» عن الوعي الجمعي العربي والعالمي.
وهكذا، فالتنظيمات الجهادية هي تعبير عن فساد سياسي وأحد إفرازات خلل العلاقة بين العرب والقوى الكبرى المتنفذة، ولعلّ ما يحدث في سورية أوضح ما يؤكد ذلك. في التحليل الأخير، يمكن القول إن التنظيمات الجهادية، وعلى رأسها تنظيم «داعش» الذي دعا إلى الخلافة، هي استمرار غير أمين للحركات التحريرية والجهادية التي سادت عصر الاستعمار، لأنها تعاند في خوض حروب لا تؤسس شيئا ولا تحرر الإنسان، بقدر ما تزيد من قيوده وتحط من قيمته، فضلا عن أنها لا تضيف إلى التجربة الإنسانية أي اعتبار أو مصداقية، لأن دعوتها إلى الخلافة جاءت من خارج التاريخ الكبير الذي يسرد الرواية التاريخية للعالم في وجهتها ومصيرها السليم. فالسؤال الذي يجب أن يفرض نفسه هو هل الحركات الإسلامية التي تخوض حروبها المسلحة ضد العالم كله تستطيع فعلا أن ترتب انتصارا تستفيد منه الإنسانية، كما استفادت من الحركات الوطنية التحررية زمن الاستعمار؟ الجواب هو بطبيعة الحال لا، ومن هنا مكمن العبث الذي يطال مقصد الدعوة إلى الخلافة عبر الإرهاب والعنف والسلاح.
الحقيقة، أن الدعوة إلى الخلافة الإسلامية في آخر أشكالها، تعبر عن عكس رسالة الإسلام إلى العالم أجمع، ويظهر تنظيم «داعش» وقبله «القاعدة» أنهما مجرد وسائل مسخرة من قبل نادي الكبار المتنفّذين والمتحَكِّمين في مسار ومصير العالم، للإجهاز على الإسلام كرسالة أخلاقية وبديل حياتي للإنسانية، وإمكان للخروج من المأزق والولوج إلى عصر الحكمة. وبتمديد التحليل إلى أقصاه، لا تعدو الدعوة إلى الخلافة على النمط الداعشي، مجرد تصفية لكافة المؤسسات السياسية والإدارية والتراث الفكري والرأسمال الرمزي والأخلاقي، التي نجمت عن عصر الاستقلال العربي، من دون أن تؤسس شيئا وترتب بديلا عن ذلك، لأن خطابها قاصر على الجهاد والموت والاستشهاد في سبيل الظفر بالجنة الموعودة. إن الدعوة إلى الخلافة الإسلامية هي في نهاية المطاف مضايقة ومزاحمة لمسار تصفية الأنظمة العربية الاستبدادية، سواء وعت بها التنظيمات الجهادية أم لم تعِ، ومعطلة لما حاولت أن تقوم به الثورات العربية التي قامت ولا تزال في غير بلد عربي.
أخيرا، فالدعوة إلى الخلافة الإسلامية بحَدّ السلاح على ما يجري على يد «داعش» وكافة التنظيمات الجهادية، لا يمكن أن تتم، لأن كافة الأنظمة الدينية تجاوزها التاريخ وتخطاها إلى أنظمة سياسية وضعية بشرية، كما أن الأنظمة الثيوقراطية كان وراءها أنبياء تحُفُّهم رعاية الله وعناية السماء، هذا الذي لم يعد ممكنا بعد خاتم النبيين والرسل، فضلا عن أن أي نظام يقوم بعد ذلك هو من وحي البشر وتدبير في شؤون وأوضاع الناس لا غير، وكل محاولة لإضفاء «الإسلامي» على نظام حكم ليس من الدين، وإنما من أمر الدنيا لأن ما هو إسلامي جاء بعد انقطاع الوحي الإلهي.
لا يمكن أن نختتم هذا المقال، حول قوة العصر الراهن في تصفية الأساطير والأوهام، دونما فتح الوعي الكامل على حقيقة ما يؤسس ويمهد للفكر المتطرف الأصولي، القائم على حرفية النص والبقاء عند معناه الأول، الذي يجب ألا يحيد عن التاريخ. وهذه الحقيقة، هي أن مطلب الخلافة والدعوة إلى الدولة الإسلامية وما جاورهما من مفاهيم وأفكار، تبناها في بداية الأمر، رجال دين ومفكرون وعلماء وكتَّاب وحتى مناضلون، حقبة ما عرف ببداية النهضة العربية، نهاية القرن التاسع عشر مطلع القرن العشرين، ليس ضدا على المدنية الغربية والفكر الغربي الحديث، بل ضدا ودحضا لموقف بعض العرب والمسلمين الذي دعوا إلى الأخذ بأسباب المدنية والحضارة الغربية، وما تستوجبه من نمط مؤسسات الدولة الحديثة، وبتعبير آخر يفيد المعنى ذاته، أن الدعوة إلى الخلافة وإلى الدولة الإسلامية تمت في سياق سياسي وإيديولوجي إسلامي- إسلامي، وليس إسلاميا- غربيا، يحكمه سياق أوسع هو السياق الاستعماري.
كاتب وباحث جزائري
د. نور الدين ثنيو