تتكسر محاولات قراءة المشهد السياسي الفلسطيني الحالي على صخرة امعان قيادة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينيتين في ارتكاب أخطاء سياسية فادحة كلما تراءت في أفق الصراع الفلسطيني الاسرائيلي فرصة سانحة لتحقيق انجاز وطني يسمح للقضية الفلسطينية بالخروج من عنق الزجاجة المسدود الذي حشرت فيه من بوابة اتفاقيات أوسلو، التي ولدت ميتة بنظر الكثيرين، ذلك أن مشروع القرار الذي صاغته السلطة الفلسطينية وتنوي تقديمه إلى مجلس الأمن داعية إلى انهاء الاحتلال حتى عام 2016 مولود ميت أيضا باعتراف الرئيس الفلسطيني محمود عباس نفسه الذي قال إنه لا توجد ضمانات بأن يصوت المجلس على المشروع أو يحصل الجانب الفلسطيني على العدد الكافي من الأصوات لصالحه، مفوتا بذلك فرصة تاريخية لمقايضة مشروعه الواهم بورقة قوية رابحة تتمثل في احالة جرائم جيش الاحتلال إلى محكمة الجنايات الدولية.
هل فاتت ورقة بهذا الحجم قيادة متمرسة في العمل السياسي مثل القيادة الفلسطينية؟ بالتأكيد لا. وهنا يطرح السؤال الكبير وربما التاريخي حول ما إذا كانت هذه القيادة لا تزال تمتلك الإرادة السياسية التي تؤهلها حقا للخروج بنفسها وبالقضية الفلسطينية برمتها عن سكة الصيغة الثنائية للحل . تلك الصيغة التي تعد منجزا اسرائيليا خالصا سرق ملف القضية برمته من أروقة المنظمة والمجتمع الدوليين مرة وإلى الأبد ولن يسمح بإعادته أو عودته إليهما تحت اي ظرف كان، فكلنا يتذكر السقوط المدوي لشعار وحدة المسارات التفاوضية العربية مع دولة الاحتلال وولوج كل دولة من دول الطوق بالاضافة إلى منظمة التحرير الفلسطينية في مسار التفرد الاسرائيلي في كل ملف من الملفات العربية الاسرائيلية على حدا.
عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء وملف القضية الفسطينية لن يعود إلى مظلته الدولية التي أنتجتها تلك المظلة أصلا طالما بقيت القيادة الفلسطينية مكبلة نفسها باتفاقات أعطتها شرعية الوجود بشكلها الحالي، مع التأكيد على أن الخيار المطروح هنا ليس خيار شمشون، بل انه يتعلق بضرورة مراجعة ما بات يعرف بمسار أوسلو ، الذي تتأرجح الآراء حوله ما بين ولادته ميتا أو موته اثناء الطريق أو وصوله إلى طريق مسدود في أحسن الأحوال حتى أن بعض السياسيين والمحللين قالوا إن ما ينقص هذا المسار هو استخراج شهادة وفاته فقط.
حتى لو افترضنا توفر إرادة سياسية فلسطينية مستقلة وأحسنا النوايا، أليس ضربا من الوهم والخيال الاعتقاد بامكانية الانقلاب على اوسلو وملحقاتها وأجوائها بآليات وأطر أوسلو نفسها؟ الشعب الفلسطيني يقف أمام نوع فريد من الفانتازيا السياسية، التي ربما لا تتحملها حتى خشبات المسارح والأعمال الدرامية والسينمائية، ذلك أنه لا يمكن الجمع ،في الواقع، ما بين الشيء ونقيضه في آن، لا سيما في عالم السياسة وتضارب المصالح الكبرى وفي ظل معرفعتنا المسبقة بأهداف الدولة العبرية من توقيع تلك الاتفاقيات ومثيلاتها والمتعلقة بتسويف القضية الفلسطينية وتصفيتها وكسب مزيد من الوقت في حرفها عن مسارها الحقيقي باتجاه الحل المنشود فلسطينيا وعربيا وإلى حد ما دوليا.
مرة أخرى، يسجل الإطار القيادي الفلسطيني الرسمي كبوة سياسية جديدة ويبقي عينه مفتوحة على أوهام امكانية تحقيق اختراقات في الموقف الدولي الرسمي من القضية الفلسطينية بينما يغمضها على الداخل الفلسطيني نفسه، مصدر قوته الحقيقي، وعماد منطقه السياسي وقدرته على التحرك والحضور وانتزاع الحقوق وليس استجداءها بلا طائل، ويرسب في امتحان قراءة المكون الفلسطيني بما يمتلك من تنوعات سياسية وفكرية هائلة يمكن توظيفها في الخطاب الفلسطيني أمام العالم ودوله وشعوبه وقواه السياسية التي تقف معنا أو ضدنا، فلطالما كانت ماسة لتصيح هذا الخطاب في كلا الاتجاهين، الأمر الذي لا يمكن أن يتحقق بالشكل المطلوب إلا بمعرفة الذات الفلسطينية وتكريس الجهود والامكانيات للارتقاء بهذه الذات أو باعادتها إلى مستوى التحديات التاريخية التي تواجهها القضية الفلسطينية منذ نشأتها.
قراءة ترصد واقع الشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده وتميط اللثام على مواضع قوته وضعفه وتكشف العدو من الصديق وتظهر قواه السياسية على مختلف مشاربها بغض النظر عن التباينات البينية والتماهي مع سياسات القوى العظمى المهيمنة وبعيدا عن عقلية الاقصاء ، وذلك بغية توظيف كل منها بالاتجاه الصحيح واستنباط الأدوات المناسبة لمخاطبة العدو قبل الصديق.
قراءة المكون الفلسطيني تشي بتنوع فريد من نوعه يتغذى على تشتت الشعب الفسلطيني ورصيده الكبير في الأماكن التي يعيش فيها والذي يعلم الجميع كيف استطاع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات توظيفه لصالح قضية شعبه من خلال وجود أحزاب ومنظمات مجتمع مدني وفصائل وشخصيات وحتى عائلات فلسطينية جميعها تعمل تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية وتجير علاقاتها الشخصية والعامة ومراكز نفوذها وحتى ثرواتها في خدمة القضية الوطنية الكبرى.
شئنا أم ابينا ، فإن المكون الفلسطيني يقوم في الوقت الحالي على ثلاثة أعمدة أساسية من الغباء تهميش أي منها في إطار سياسي لم يخرج بعد من كونه حركة تحرر وطني وليس أي شيء آخر رغم تداخل العامل الوطني، في الحالة الفلسطينية، بعوامل أخرى ذات طابع فكري وأيديولوجي أحيانا، وهذا أمر طبيعي لا سيما مع الأخذ في الاعتبار عمرها المديد.
باسل أبو حمدة