إسطنبول ـ «القدس العربي»: أجمع عدد من القيادات السياسية البارزة في المعارضة السورية على أن روسيا خدعت العالم في إدعائها الموافقة على الحل السياسي في سوريا، معتبرين أنها ما زالت تؤمن بالحل العسكري لفرض الاستسلام على حلب وتحقيق التغيير الديموغرافي في المدينة التي تعرضت خلال الأيام الأخيرة لمئات الغارات الروسية في حملة غير مسبوقة على المدينة تتزامن مع إعلان النظام السوري إطلاق حملة عسكرية واسعة فيها.
وهاجمت القيادات في تصريحات خاصة لـ«القدس العربي» ما وصفوه بـ«التواطؤ الأمريكي» والعجز الدولي في وقف المجازر في حلب وباقي المناطق بسوريا، معتبرين أن المباحثات الأمريكية الروسية لن تتمكن من تحقيق أي اختراق سياسي في ظل الفجوة الكبيرة بين مواقف البلدين، وضعف موقف الإدارة الأمريكية التي تمنع تقديم أي دعم حقيقي للثورة السورية وتتغاضى عن نشاطات المليشيات الإيرانية واللبنانية، على حد وصفهم.
والجمعة، قتل أكثر من 100 من المدنيين والأطفال في غارات روسية وصفت بـ«غير المسبوقة» على مدينة حلب، وذلك بعد يوم واحد من إعلان نظام الأسد إطلاق حملة عسكرية واسعة لاستعادة المدينة، بالتزامن مع فشل الاجتماع الدولي حول سوريا بالتوصل إلى اتفاق جديد، واستمرار المباحثات بين وزيري الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف لإعادة العمل بالهدنة التي انهارت الاثنين الماضي، دون التوصل إلى نتيجة. سميرة المسالمة نائب رئيس الائتلاف الوطني السوري المعارض اعتبرت أن الهجوم على حلب هو «استمرار للحل الأمني الذي انتهجه النظام، بمساعدة حلفائه، مستخدما في ذلك أقصى طاقته الحربية وأقصى ما في ترسانته العسكرية، ويأتي ضمن ذلك القصف بالبراميل المتفجرة والصواريخ الفراغية والكيماوي».
وأكدت المسالمة لـ«القدس العربي» أن هدف تصعيد الهجوم على حلب وباقي المناطق السورية «جعل السوريين يدفعون ثمنا باهظا للتمرد على النظام، وتقويض الثورة، كما يستهدف النظام من وراء ذلك تحقيق ما بات يدعى بـ«سورية المفيدة» أي المنطقة الخاضعة للنظام، والتي يحاول فيها عبر هذا المفهوم إجراء تغيير ديموغرافي، وهذا ما يفسر الإصرار على عمليات تهجير وتشريد سكان المناطق المحاصرة، كما جرى في مضايا مؤخراً».
كما رأت المسالمة أن «الهجوم يأتي أيضاً في محاولة من النظام لتغيير المعادلات التفاوضية وفرض رؤيته على المعارضة وعلى الدول الأخرى»، معبرة عن خشيتها من تمكن النظام من اقتحام المدينة والخشية أكثر «على مصير أهلها، الذين يتعرضون للقتل أو للتهجير والتشريد».
وشددت على أنه «لا تعويل على موقف أمريكي ولا موقف دولي.. هذا ما علمتنا إياه التجربة طوال السنوات الماضية، لقد ترك السوريون لعذاباتهم، كنا نراهن على أخلاقية المجتمع الدولي، لكن للأسف فالدول تشتغل بحسب مصالحها، بمعزل عن المبادئ والأخلاقيات».
من جهته، اعتبر نصر الحريري، عضو الائتلاف الوطني السوري أن ما يحدث في حلب «كارثة إنسانية ناجمة عن فعل بشري.. الروس خدعوا العالم وتآمروا على استهداف الشعب السوري بقصف الأحياء المدنية والمشافي والمدارس»، مضيفاً: «روسيا تهدف من هذه الحملات العسكرية المتلاحقة إلى تهجير سكان مدينة حلب ومحاصرة الثوار من أجل فرض الاستسلام عليهم وزيادة أعداد المهجرين واللاجئين».
وجدد الحريري الأمين العام السابق للائتلاف في تصريحات لـ«القدس العربي» التأكيد على أن «الروس خدعوا العالم بأنهم دخلوا عملية سياسية وهم بالأساس ما زالوا يراهنون على الحل العسكري لتثبيت نظام الأسد»، وقال: «نعتبر المجتمع الدولي مجرم على الدرجة نفسها من إجرام روسيا ونظام الأسد كونه لم يقم بأي عمل وجهد حقيقي لوقف هذه المجازر ولم يضع أي خطط بديلة وهو بذلك يعطي الضوء الأخضر لمزيد من الجرائم ويمنح الأسد إشارات واضحة بأن ليس أمامه خطوط حمراء».
وهاجم الحريري الأمم المتحدة بقوة، معتبراً أن «الأسد وروسيا قصفا قوافل الأمم المتحدة وما زالت المنظمة خائفة وصامتة وفوق ذلك قامت بوقف المساعدات الإنسانية إنه تواطؤ وتحيز واضح للمجرمين لكن كل ذلك لن يثني الشعب السوري عن متابعة معركته لنيل الحرية».
ورأى الحريري أن «سياسة أوباما في سوريا هي إدارة الأزمة وليس حل الأزمة وكل اجتماعات الأمم المتحدة ولقاءات كيري ولافروف لا نتأمل منها أي شيء لأن روسيا وأمريكا متفقتان على عدم الحل في سوريا.. واشنطن تضع فيتو على كل ما يخدم الثورة السورية في المقابل سمحت لروسيا وإيران وحزب الله الإرهابي بالتدخل في سوريا، وستبقى قناعتنا أن أمريكا متواطئة مع الجرائم الروسية».
عضو الهيئة العامة والسياسية للائتلاف سمير نشار، وصف ما يحدث في سوريا بأنه اشتباك أمريكي روسي بالدرجة الأولى «خاصة بعد الغارات المتبادلة بين الجانبين حيث قصفت أمريكا موقعاً للنظام السوري وردت روسيا بقصف قافلة المساعدات الإنسانية».
وقال نشار لـ«القدس العربي»: «الاتفاق الأخيرة بين روسيا وأمريكا والذي نتجت عنه الهدنة الأخيرة لم تتمكن خلاله موسكو من إقناع إيران بالالتزام بالهدنة وإدخال المساعدات الإنسانية إلى حلب بسبب وجود مخطط لدى طهران والأسد لاجتياح حلب، حيث تجرى الآن محاولات لاقتحام المدينة بالتزامن مع قصف جوي روسي بربري غير مسبوق».
وأضاف نشار: «كما أن النظام يحاول تفريغ المدينة من خلال دعوة المدنيين للخروج من مناطق المعارضة في حلب وهي محاولة تذكرنا بالأحداث السابقة التي شهدتها مناطق أخرى من خلال حصار المناطق والإعلان عن ممرات آمنة لخروج السكان، أي أن الروس والأسد يحاولون تطبيق نموذج تفريغ داريا وحي الوعر والمعظمية في مدينة حلب».
وشدد نشار على أن «حلب مدينة كبيرة وفيها آلاف الثوار من سكان المدينة ولا يمكنهم التخلي عنها مهما اشتد القصف والحصار»، متوقعاً أن تشهد المدينة تطورات عسكرية أكبر خلال الأيام المقبلة.
وعن إمكانية حصول تدخل أمريكي لإنقاذ المدينة من الهجوم الروسي وإعادة العمل باتفاق التهدئة، قال نشار: «لا أتوقع أن تبقى أمريكا صامتة أمام ما يحصل لا سيما أن حلب لها رمزيتها ومكانتها وواشنطن بالفعل تستطيع وقف الهجوم ومنع سقوط حلب رغم أن الفجوة بين واشنطن وموسكو حول الملف السوري ما زالت واسعة جداً والخلافات كبيرة «. مضيفاً: «هناك بعض التعويل على موقف واشنطن وعلى حصول تفاعلات داخل الإدارة الأمريكية في ظل استبعاد التوصل لاتفاق قريب بين البلدين حول الملف السوري».
إسماعيل جمال