القاهرة ـ «القدس العربي»: ما زالت أزمة نقابة الصحافيين في مصر أبعد من أي حل قريب، خاصة مع استمرار المعتصمين في الإصرار على المطالب الرئيسية للجمعية العمومية مثل الحصول على الإعتذار من رئاسة الجمهورية، وإقالة وزير الداخلية والافراج عن معتقلي الرأي، وهي العناصر الأصعب للصحافيين. إلا ان ثمة تكهنات أن الحكومة لا تنوي تقديم أي تنازلات للصحافيين بعد التطورات الأخيرة.
وبالرغم من هذا فان جمال عبد الرحيم، القيادي والسكرتير العام لنقابة الصحافيين، قال في تصريحات خاصة لـ»القدس العربي» «بالرغم من محاولات الوقيعة من بعض أجهزة الدولة وبين الصحافيين والرأي العام، وبالرغم من محاولات شق الصف الصحافي، لكن النقابة ما زالت متمسكة بحقوقها مدافعة عن كرامتها وهيبتها، وقامت بتقديم بلاغات للنائب العام ضد الوزير بسبب اقتحام النقابة، وقدمت خطابا مفتوحا لرئيس مجلس النواب شرحت فيه كافة التفاصيل، كما استقبلت النقابة خلال الأيام الماضية أكثر من وفد من المجلس القومي لحقوق الإنسان ومجلس النواب من أجل الوساطة لنزع فتيل الأزمة. والنقابة أعربت عن رغبتها في الحل ولكن لابد ان تحافظ تلك الحلول على كرامة النقابة».
وأوضح «ان الدكتور علي عبد العال رئيس مجلس النواب شكل لجنة واجتمعت مع مجلس النقابة، والنقابة شرحت القضية بالكامل وما زلنا نتشاور مع تلك اللجنة للتوصل إلى حل يرضي الطرفين».
وأكد «ان النقابة لن تخضع للحراسة القضائية كما يقول البعض، لانه لا يوجد في قانونها نص بفرض الحراسة على النقابة كما لا يوجد نص يسحب الثقة من اللجنة، وكل هذا يعد شائعات تردد من أجل الروح المعنوية للصحافيين ولكن هذا غير موجود في قانون النقابة».
وكانت المطالب التي أقرها الصحافيون الأسبوع الماضي تأتي على رأسها إقالة وزير الداخلية، واعتذار الرئيس عبد الفتاح السيسي عن واقعة اقتحام مبنى النقابة للقبض على اثنين من الصحافيين المطلوب مثولهما أمام جهات التحقيق بتهمة نشر أخبار كاذبة، وهي المطالب التي عدّها خمسة من أعضاء النقابة غير مبررة. وحرص الخمسة المتخلفون عن اجتماع النقابة بحضور نقيب الصحافيين يحيى قلاش وسبعة من أعضاء مجلسه، على حضور اجتماع المناهضين للمجلس في مؤسسة الأهرام، بعد أيام من هتافهم مع آلاف الصحافيين بـ18 مطلبا، حيث تراجعوا عنها في مفارقة مثيرة.
وبذلك اتسعت مساحة الخلاف بين أعضاء مجلس نقابة الصحافيين وانقسموا إلى فريقين، أحدهما يناصر فكرة تصحيح المسار والآخر يرفض الاستسلام، ووقعت مشادات وخلافات بين الـ5 صحافيين الذين حضروا في «الأهرام» وبين باقي أعضاء النقابة.
وقال احمد سامي، المتحدث بإسم حزب «مستقبل وطن» لـ»القدس العربي» «نحن نحترم الصحافة ونقدسها وهي تعتبر منبرا حرا لجميع الآراء، ولكن النقابة أخطأت خطأ شديد جدا في انها تسطرت على اشخاص مطلوبين أمنيا وصدر ضدهم قرار ضبط واحضار من النائب العام والنيابة العامة، وكان يجب على النقابة عدم الوقوع في مثل هذا الخطأ، لانه ما دام الأمر متعلق بشيء أمني فلابد من وجود تكاتف من جميع الجهات ويتم تسليمهم للسلطات المختصة، وكان يجب على الداخلية ان يكون هناك تمهل في الأمر وان ثبت بالفعل اقتحام بعض أفراد الداخلية للنقابة فيجب على الداخلية ان تقدم مبرارتها لهذا الأمر، وكان على الطرفين ان يعرضا الحقائق بشفافية للوصول إلى حقيقة الأمر».
واوضح «ان أزمة النقابة لا علاقة لها بالرئيس حتى يطالبون بضرورة اعتذاره للنقابة، والرئيس لم يخطأ حتى يعتذر، وان كان للنقابة بعض المطالب فيجب ان يتم عرضها بشكل سلمي وعقلاني، وإقحام الرئيس في كل المشكلات يعد أمرا غير مقبول وغير مفهوم».
وأضاف «ان البرلمان ناقش الأزمة بصورة جيدة، وتبنى الدكتور علي عبد العال الأزمة وقام بمناقشتها مع النواب، واثبتت لنا تلك الأزمة ان البرلمان بدأ يقوم بدوره الحقيقي في حياتنا في حل العديد من المشاكل».
وقال الدكتور حازم عبد العظيم، الناشط السياسي، لـ»القدس العربي» ان «الموقف الذي اتخذته نقابة الصحافيين بعد أزمتها الحالية يعد موقفا مشرفا، ولكن كان لابد من الاحتراس من أجهزة الدولة وان تقوم بالتدخل وحدوث انقسام داخلي وبالفعل هذا ما حدث. فالدولة عسكرية مخابراتية والفكر الأمني مسيطر تماما، والرأي العام يحاول التحكم فيها عن طريق الإعلام وأي صوت معارض يتم اغتياله معنويا أو يتم سجنه فعليا».
وأوضح «ان خطة الدولة هي تفتيت المجموعة الصحافية عن طريق أشخاص محسوبة على الأجهزة الأمنية في مصر، وبالتالي فالدولة لا تنوي الاعتذار أو تحقيق أي مطلب من مطالب النقابة، ومن الممكن ان تقوم الدولة بإخضاع النقابة للحراسة القضائية أو تقوم بإعادة تشكيل نقابة الصحافيين أو حلها بموجب قرار جمهوري».
ومن جانبه، أصدر مجلس نقابة الصحافيين بيانا طالب فيه الصحف بتسويد الصفحة الأولى من عددها الصادر يوم السبت الماضي؛ التزاما بقرارات الجمعية العمومية الأسبوع الماضي. يأتي ذلك وسط محاولات من أطراف مختلفة للوصول إلى حل وسط بين النقابة والوزارة، في ظل ما يعتبرونه رفعا لسقف المطالب فوق الحد الممكن، بينما يتمسك عدد كبير من أعضاء الجمعية العمومية ومجلس النقابة بتنفيذ المطالب كاملة.
وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للصحافة صلاح عيسى في تصريحات «أنا أؤيد مطالب النقابة، ولكنني أظن أن بعضها أدى من الناحية العملية إلى تعطيل الحوار، منها طلب الاعتذار من الرئيس السيسي والإصرار على إقالة وزير الداخلية، وهذه الشروط لن توافق عليها الحكومة، وبالتالي يعتبر تحقيقها صعبا للغاية». وأشار عيسى إلى أن المطالب تمثل جزءا من المواقف الحالية داخل عملية التفاوض، ورفع سقف المطالب جعل الطرف الآخر يمتنع عن التواصل، ورفْض أي حوار ضمن هذه المطالب، مما سيؤدي إلى تأجيل حل الأزمة عدة أيام».
واستحسن عيسى عدم تدخل الرئاسة وبقاء الرئيس في موقف محايد من الجميع؛ ليكون هو الحلقة الأخيرة التي تلجأ إليها الأطراف المتنازعة. وأضاف أن بعض مطالب النقابة متوجهة إلى الجهة الخاطئة أو إلى جهة غير واضحة، وأنه يجب أن تكون المطالب ضمن حجم القوة التي تمتلكها النقابة وتستطيع أن تنفذ خلالها ما تريد. وجاء رد فعل حاتم زكريا، الذي حضر اجتماع «الأهرام»، سريعا على قلاش وكارم، معلنا تقدمه باستقالة رسمية من عضويته في مجلس النقابة، مؤكدا في خطاب لنقيب الصحافيين أن سبب الاستقالة اعتراضه على الأسلوب الذي تدار به النقابة، وعدم التشاور مع أعضائها، على حد وصفه.
من جهته، يرى الكاتب الصحافي محمد منير أن «النقابة تعاني خللا في بنيتها بعد أن تم الدفع بأعداد من الفاسدين والمخبرين ليحصلوا على عضوية النقابة، أيام نقباء سلطويين». ودعا للتفكير في «حل أشمل من حدود النقابة يضم الشرفاء بالنقابات المهنية، مع فئات مجتمعية لحشد موقف شعبي، باعتبار أن أزمة الصحافيين جزء من أزمة مصر».
وسلط مركز الدراسات الاستراتيجية الأمريكي «ستراتفور» الضوء على الأزمة الراهنة بين الصحافيين والداخلية، مؤكدًا أنه في حال استجابة السيسي لمطالب إقالة وزير الداخلية، فإنه بذلك سيكون قد فتح الباب لمزيد من الاحتجاجات والمطالب في المستقبل.
وأوضح المركز في تقريره، أن مشهد اقتحام قوات الأمن لمقر نقابة الصحافيين واقعة هي الأولى من نوعها منذ إنشاء النقابة، وهو ما أدى لحالة من الغضب سادت الأوساط الصحافية إذ احتشد آلاف الصحافيين في النقابة، وطالبوا بإقالة وزير الداخلية، واعتذار رسمي من السيسي.
وقال المركز إن الوضع زاد تأزمًا بعـــــد تسريب رسائل إلكتــــرونية من وزارة الداخلية تكشف خطتها لتشويه أعضاء النقابة من خلال خروج بعض اللواءات في وسائل الإعلام وعدم الاعتراف بخطأ الوزارة من خلال بعض التبريرات.
وقال محمد شبانة أمين صندوق نقابة الصحافيين، خلال حواره مع الإعلامي أسامة كمال على شاشة «القاهرة والناس» إنه لا يوجد أي انقسام داخل نقابة الصحافيين كما روج لها البعض، والهدف هو تشويه مجلس نقابة الصحافيين وتسيس القضية، لاننا لم نطلب تضامن الآخرين معنا. وأكد أنه يجب على الدولة الحفاظ على رمزية نقابة الصحافيين للحفاظ على حرية الرأي والتعبير في مصر.
وفي السياق نفسه، قال كارم محمود، رئيس لجنة التشريعات في نقابة الصحافيين، في مداخلة هاتفية عبر فضائية «أون تي في لايف» إنه تابع ما حدث داخل اجتماع جمعية «تصحيح المسار» في «الأهرام»، في حالة من اليأس والحزن لما حدث فيه، بالإضافة إلى الكم الهائل من الهرج والمرج. وأضاف أن ما حدث هو محاولة وضع الصحافيين في أزمة مع مؤسسات الدولة، وأن البيان الذي خرج (من النقابة) يوضح أن النقابة ليست في خصومة مع مؤسسات الدولة المصرية، وأنها تطالب بتدخل المسؤولين في الدولة لإنهاء الأزمة.
وحول انضمام خمسة من أعضاء النقابة إلى الاجتماع، قال كارم: «هذا لا يعبر بأي شكل عن حالة انقسام داخل النقابة» مشيرا إلى أن الصحافي حاتم زكريا لم يدخل النقابة أصلا خلال الأزمة نظرا لسفره.