قيامة فريدريكو غارسيا لوركا

حجم الخط
0

منذ ما يزيد عن ثمانين خَلَت أطلقَ فرانشيسكو فرانكو تمرّداً عسكريّاً ضد حكومة بلاده، وسرعان ما سقطت غرناطة إحدى أهم المدن التاريخية في إسبانيا بأيدي متمرّدي فرانكو القوميين. وبعد شهر تماماً من اندلاع الحرب الأهلية، وقعت جريمة قتل شهيرة في ضواحي تلك المدينة، لم يكُن لها أن تقع لولا حدوث ذلك التمرّد.
في سنّ الثامنة والثلاثين كان فريدريكو غارسيا لوركا أحد أشهر كتاب إسبانيا، إذْ كان قد وضَعَ بصمته في عشرينيات القرن الماضي من خلال شعره الغنائي الذي استلهم التقاليد الشعبية والطبيعة الخلّابة لموطنه الأندلس، وقد تجلّى ذلك في «رومانسيروغيتانو» الصادرة عام 1928، وتعني «حكايات الغجر الغنائية» وهي مجموعة قصائد مشبعةً بصور القمر والدم واللون الأخضر، تدور حول خصومات الغجر وصراعاتهم مع الشرطة، ولعلّ هذا الكتاب كان أكبر مجموعات لوركا الشعرية، وهو الذي يقف وراء شهرته.
ذاع صيت لوركا ككاتب مسرحي عام 1933، مع أول أعماله المسرحية المكتملة الطول «عرس الدم» وهي مأساة شرسة يهرب فيها إلى الغابة رجل وحبيبته السابقة، التي على وشك الزواج من رجل آخر، وفي تلك الأثناء كان لوركا قد بدأ يصرّح بمواقفه المناوئة للفاشية، ما أكسبه عداواتٍ في أوساط أهل الطبقة الوسطى لبلدته، إذْ أقدم على إهانتهم في إحدى الصحف الوطنية واصفاً إياهم بـ»أسوأ ما في إسبانيا اليوم» وقد وقف العديد من أبناء تلك الطبقة إلى جانب المتمرّدين وكانوا حريصين على إبعاد أي من هؤلاء «الحُمْر» المتعاطفين أو حتى الذين شكّوا بتعاطفهم مع الجمهوريين.
كان غارسيا لوركا العائد للتوّ من مدريد لقضاء الصيف في منزل والديه، أحد أولئك الذين عدّهم المتمرّدون في صفوف «الحُمْر» وقد عزّزت ميوله الجنسية المثلية من كراهيتهم له، ثمّ اعتُقِل على الأرجح بأوامر من حاكم غرناطة «الفَلانخي» أي الكتائبي نسبةً للكتائب الإسبانية لجمعيات الهجوم الوطني النقابي آنذاك، في السادس عشر من شهر آب/أغسطس سنة 1936، لِيُعدَمَ بعدها بثلاثة أيام. وقد تباهى أحد الذين نفّذوا إعدام الشاعر قائلاً «لقد أفرغت طلقتين في مؤخرة هذا الشاذ» ولم يُعثَر على جثمان لوركا على الرغم من أنّ مسرح الجريمة معروف تماما.
لم تشهد إسبانيا نقاشات مفتوحة حول حياة لوركا وميوله الجنسية وموته، لعدّة سنوات بعد انتصار فرانكو عام 1939، وحتى بعد وفاة الديكتاتور سنة 1975 لم يتوفّر سوى نُسخ منقّحة من أعماله، كما أنّ تقرير إيان غيبسون حول وفاة لوركا كان محظوراً، ولم تظهر السوناتات الموجّهة للحبيب إلا في عام 1983 (عُرِفَ منذ أربع سنوات فقط باسم خوان راميرز دي لوكاس)، إلاّ أنّه بحلول ذلك الوقت كان الاحتفاء الحاسم بغارسيا لوركا ككاتب ذي أصالة مرموقة قد بدأ يحلّ محلّ ما يتعلق بحياته الجنسية، في إسبانيا كما في أيّ مكان آخر.
تجدّد الاهتمام مؤخّراً بحياة هذا الشاعر وأعماله، إذ استُحضِرَ غارسيا لوركا من خلال عرض فلامنكو من تأليف باكو بينا بعنوان «باترياس» أي «الأوطان» عُرِضَ في الشهر الماضي على مسرح ساندرلز ويلز اللندني. كان الفلامنكو مهيّجاً لعواطف لوركا، على الأخص ما اصطُلِحت تسميته لدى الغجر بـ»الأغنية العميقة ـ تأتأة»، وقد كتب باكو قائلاً: «تلك التموّجات الفموية الرائعة، التي تحطّم ميزاننا الموسيقي المألوف»، ويسرد العمل حكاية لوركا عبرَ رقص الفلامنكو والأغاني اللافحة، فيما تُعرَضُ في خلفية خشبة المسرح صور للشاعر وللحرب قبل أن يبدأ العرض الكئيب.
قال باكو بينا المولود في قرطبة لمجلة «بروسبيرو» البريطانية: « دفعتني الخواطر عن الحرب الأهلية وعن الأرض التي يتحّدر منها غارسيا لوركا – الذي كان على ارتباط وثيق بها – لربط مأساة موته بالصراع الذي كان موضوعاً كبيرا في بداية حياتي، لقد بدا من المهم بالنسبة لي كموسيقي فلامنكو أن أعبّر عن معاناته».
وفي الحقيقة فإنّ المعاناة البالغة تكمن في قلب مسرحية «يرما» التي كتبها لوركا على امتداد عدة سنوات، بدءا من عام 1930، تستميت يرما للحمل من زوجها خوان، إلاّ أنّه إمّا لا يرغَب أو أنّه لم يكُن قادراً على إلقاحها. وقد لاقت المسرحية نجاحاً باهراً في عرضها الأول في مدريد سنة 1934، غيرَ أنَّ استكشافها الصّريح لحميميّات الزواج الريفي وعذاباته أثار حنق اليمين الكاثوليكي.
يُفتَتَحُ في الرابع من شهر أغسطس الجاري على مسرح يونغ فيك عرض نسخة جديدة من مسرحية «يرما»، بعد مرور أسبوعين على الذكرى الثمانين لرحيل لوركا، وقد طوّع المخرج سيمون ستون العمل بشكل لافِت ليعرِض لتابو عدم الإنجاب في لندن المعاصرة، إذْ يقول: «أودّ أن أتساءل في ما لو أنّ ما تسبّب بصدمة الناس منذ 80 عاماً مازال يصدمهم اليوم»، «هل توافقون على مناقشة هذا؟ كم من النساء اليوم يتجنّبن الخوض في هذه الأزمة حول العلاقة مع أجسادهن؟
يهتمّ المخرج سيمون ستون بإخراج مسرح لوركا من نطاق إسبانيا، على غرار ما يمكن فعله مع مسرحية «ميديا» ليوريبيديس ومسرحية «أنتيغون» لسوفوكليس، إذْ يمكن أن تتعدّى تلك الأعمال سياق عالمها القديم، وهو ما يحصل نحوها غالباً، وبحسب ما يعتقد ستون فإنّ مسرحية «يرما» لا تقلّ كثافة أسطورية، وبالتالي لا تعوزها الجودة لتكون عالمية». كما يضيف قائلاً: «يشبه الأمر إلى حدّ ما عالمية تشيخوف وإبسن، إنّ أشياء كهذه يجب ألا تكون ثابتة، وهذا هو الحال مع نسختي الخاصة من يرما».
لقد كان غارسيا لوركا رجلا بمواهب نادرة، وكان تدفّقه وإبداعه من بين أكثر ما حبّبه لأولئك الذين عرفوه، إلاّ أنَّ المطاف انتهى به إلى نهاية صادمة منذ 80 عاما، ولعّل هنالك شيئا من العزاء في أنّه استطاع خلال حياته القصيرة إبداع أنماط عابرة للأزمنة في مخاطبة الجمهور.
عن الإيكونومسيت

٭ كاتب ومترجم سوري

قيامة فريدريكو غارسيا لوركا

أبراهيم قعدوني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية