الرباط ـ «القدس العربي» من محمد البندوري: تبني المصرية إيمان حكيم فضاءات أعمالها على أنقاض الأبعاد الفراغية، وهو ما يتيح المجال للموسيقى كي تحقق رسومها التشكيلية. وتعتبر الحركة أحد العناصر الفنية التي تغذي أعمالها الواقعية. كما أن مجمل بناءاتها الفضائية تسمح بخروج المادة التشكيلية إلى حيز الوجود الحسي والبصري بنوع من المهارة والتقنيات العالية، وهو ما تسمح به التجربة الرائدة للفنانة إيمان في نطاق تخصصها وأسلوبها الواقعي المعاصر، بل يبدو أنها تحسب حسابا دقيقا لصنع أدوار فعالة لأعمالها الواقعية، من حيث الابتكار والتجديد.
ففي هذه الأدوار يكمن سر المعاصرة وحداثة الأسلوب، وهو ما يتيح للرائي التأمل بعمق في أعمالها لاكتشاف ما خفي في أسلوبها وفهم عالمها الإبداعي. فهي تتواصل مع مادتها الفنية بواقعية وجمالية وتفاعل كبير، لتبلغ نتيجة ناضجة تتعلق بقيمة الفضاء وقيمة المادة التشكيلية وقيمة الواقع في الفن التشكيلي، لتوجه مسار التعبير على مستوى التشكيل الصرف نحو هذا التوجه، حيث يظهر بوضوح التكامل في التأليف بين مختلف العناصر والكتل والأشكال المليئة بالمعاني، والفراغات والفضاءات. وتحقق ذلك بأشكال تباينية تستطيع من خلالها أن تمنح للعمل الفني توازنه وانسجامه، وبذلك يظهر أسلوبها الواقعي مليئا بالدلالات من خلال بسط طريقة التحوير في شكله المتكامل، بعد مروره بمختلف مراحل التطوير والتغيير، قصد إخضاعه للزوميات الرؤية الشخصية للواقع.
فأشكال الشخوصات الإنسانية مثلا تتخذ بعدها الجمالي النهائي بعد أن تمر من عدة مراحل، بحيث إن كل جديد في رؤية الفنانة يتخذ مسارا نوعيا تنبني عليه الرؤى الجمالية المستقبلية، وهو ما يعني من الناحية النقدية أن الفنانة إيمان تتقيد أحيانا بألوان معينة، وأحيانا تعتمد الكثافة اللونية في سياقات تكون أحيانا فارقية، وإن ـ كانت تسعى من خلالها ـ إلى صنع مجال تشكيلي يتأسس على ثوابت تصورية خاصة بالواقع الذي تشتغل عليه، إلا أنها بذلك تلغي الفراغ الذي يعتبر قيمة فنية تعبيرية في المنظومة التشكيلية المعاصرة. فتتقيد بتصاميم وفق منظور كلاسيكي، مما يضع البعد الجمالي في مأزق. وهي تتقيد بذلك استجابة لتلك اللزوميات وأشراط المراحل التي تخضع لها أعمالها؛ لتقصي استمرار شاعرية بعض الأعمال حتى تتناغم مع الشكل الواقعي الذي ترغبه، وحتى يتلقفها القارئ وفق ما هي عليه بدون قيد، لأن أحكام بعض المواضيع التي تشتغل عليها تفرض نفسها أحيانا. وعلى الرغم من هذا وذاك؛ فإن كل ذلك يدخل في نطاق فلسفة المبدعة، ومدى تفاعلها مع الواقع الاجتماعي والثقافي والبيئي والطفولي وتحويره في الملمس التشكيلي، ليساهم باللون في البروز بأسلوب خاص، ويدعّم القوة التعبيرية الحديثة.
توزع إيمان العناصر المشتركة، لتدعم أسلوبها الإبداعي وتثبت هويتها الفنية. فهي تستقي مادتها التشكيلية من الواقع بطرق متنوعة وأسلوب تشكيلي يتميز بمقومات وتفاعليات وجماليات مختلفة، سواء على مستوى البناء الفضائي، أو على مستوى التقنيات العالية الموظفة، أو على مستوى الاستعمالات المضامينية والجهاز المفاهيمي بكل مقوماته، أو على مستوى ما تنتجه من معان في خضم هياكل أعمالها التي يغلب عليها التنوع في الشكل، فالمادة الفنية في مجملها تروم صناعة مجموعة من العلاقات التحاورية، لبسط أنماط تعبيرية مغايرة للمألوف تروم الأحاسيس والمشاعر عبر الرؤية البصرية، تؤطرها الفنانة إيمان بمجموعة من التقنيات والأدوات وباستعمالات رمزية وعلاماتية ولونية. إنها تشيد الصرح الفني باعتماد الشخوصات باعتبارها ركيزة بورتريهية أحيانا، وباعتبارها رؤية تعبيرية حينا آخر، تروم المضامين الواقعية والمعاناة اليومية وفق نسيج لوني ورمزي وعلاماتي، يتم توظيفه بأبعاد وقيم نبيلة، وبطرق فنية تتوخى من خلالها بسط الصيغ الجمالية إلى حد ما، باعتبار واقعية الشخوصات التي تُدفّق السيولة التعبيرية، حتى تجعل من بعض التوظيفات العلاماتية واللونية أدوات أيقونية تفصح عن دلالات ورؤى ومعان متعددة، وتعبّر عن خلجات المبدعة وهواجسها وشعورها وأحاسيسها بسحر فني يستولي على أعين القراء.
إنه مجالها الخصب الذي يحتوي مجموعة من العوالم الاجتماعية والمعارف الفنية والوقائع الواقعية التي تدرجها في سياقات فنية، برصيد معرفي تشكيلي، تتحكم إيمان حكيم في تدبيره وإدارته شكلا وتعبيرا وجمالا مما يزيد من قيمة الفضاء.