أخيراً وبعد طول مشقة يشارك المنتخب الفلسطيني لكرة القدم في أول نهائيات قارية في تاريخه، رغم أنه أحد أقدم الاتحادات في قارة آسيا، بل كان مجرد المشاركة في تصفيات بطولة كبيرة يبعث على الفخر والاعتزاز، والأهم تثبيت الهوية، لكن اليوم، وتحديداً غداً الاثنين سيلعب «الفدائي» مباراته الاولى في نهائيات كأس أمم آسيا عندما يلتقي حامل لقب النسخة الماضية المنتخب الياباني في مدينة نيوكاسل الاسترالية، قبل ان يلاقي أيضاً ضمن المجموعة الرابعة منتخبي الأردن والعراق.
وكم رددنا بأعلى نبرات الصوت «عاشت فلسطين حرة عربية»، وكم تمنينا من كل القلب ان تعيش فلسطين حرة وعربية، لكن الى اليوم ما زالت فلسطين مقيدة بسلاسل يهودية تحرمها من الانضمام الى شقيقاتها العربية، وطالت الأذية ما طالته من مقومات شعب بأكمله، كان من الممكن ان يكون رائداً في منطقته.
لنبتعد على الالغام السياسية ونبقى في كرة القدم، والتي تمثل الرئة التي يتنفس منها ابناء الضفة الغربية وغزة، على غرار نظرائهم في كل العالم العاشق للعبة.
دائماً ما كانت تروادني أفكار تمتزج بين الخيال والحلم الى يقين اليقظة، ويبرز سؤال يقودني دائماً ترديده الى التعجب «عما كان ينبغي ان يكون»، فعلى قدر الغرابة من طريقة السؤال، كانت الغرابة من اجابات وهمية وافتراضية. فماذا لو لم تُحتل فلسطين؟ ماذا لو لم تطأ قدم الارهابيين اليهود اراضي فلسطين؟ ماذا لو بقيت مع عائلتي في قريتي صفورية في الجليل الاعلى، في ظل قضاء مدينة الناصرة؟ ماذا لو كانت فلسطين… وبقيت فلسطين، من دون تلوثات صهيونية؟ لن أتوسع باجابات خيالية، عما كان سيتغير في وطننا العربي ككل، لكن سأحصر اجاباتي الافتراضية بأمنيات شخصية، وأقول ماذا لو كان هناك منتخب فلسطين لكرة القدم، بكل قوته ومقدراته وحظي بما تحظى به كل المنتخبات في العالم؟ وماذا سيكون تصنيفه العالمي اليوم؟ وهل سيكون مستواه قريباً من مستوى جيرانه في بلاد الشام، الاردن وسوريا ولبنان، أي في المستوى الوسطي، ام انه سيكون ضمن المنتخبات الثقيلة والكبيرة في المنطقة والقارة الآسيوية؟
ففي حين يعشق المرء ان يعظم كل ما يتعلق ببلده، ضمن خانة الوطنية والانتماء، بعيداً احياناً عن المنطق والمعقول، فانني اقول ان منتخب فلسطين كان سيجد مكاناً له في احدى نهائيات كأس العالم السابقة. فلو تجمعت المواهب الموجودة حالياً في الضفة وغزة وداخل فلسطين التاريخية وفي مخيمات اللاجئين في لبنان وسوريا، والمواهب التي لعبت في مصر، والمواهب التي مثلت الاردن وتمثله حالياً، والتي تعود اصولها الى مدن فلسطينية، عدا عن المواهب المهاجرة الى الدول العربية ودول امريكا اللاتينية، والتي هاجرت حديثاً الى بعض الدول الاسكندنافية والاوروبية، فاننا كنا سنجد منها أحد عشر لاعباً، يتمتعون بمواهب عالية جداً تؤهلها الى المشاركة في اقوى المسابقات العالمية، خصوصاً اذا توافرت الملاعب المعشبة التي ترتقي الى مستويات عالمية، ومراكز تدريبية مجهزة بكل ما يحتاجه المحترفون، والاهم اذا اختفت الحواجز والمعوقات التي تضعها قوات عسكرية غاصبة، تحاول بشتى الطرق ان تطمس أي بروز لمنتخب دولة لم تر النور بعد سياسياً، مثلما فعلت مؤخراً مع اللاعب سامح مراعبة عندما منعته من عبور جسر الملك حسين الى عمان ومنه للسفر الى استراليا مع بعثة المنتخب، ومع ذلك نجح حفنة من اللاعبين في التجمع معاً في ارض فلسطينية… وهذا كله رائع وجميل، لكن ستزداد جرعات حماس اللاعبين عندما يقف خلفهم آلاف المشجعين من ابناء البلد، في عشق خالص لمنتخب فلسطين، خصوصاً اذا كانت الهموم مغسولة، فلا قلق على ابن سجين ولا حزن على أب شهيد ولا حيرة على اخ مفقود.
لكن الواقع دائماً يتغلب على الاحلام والامنيات، لتظل صرخاتنا اللاشعورية «عاشت فلسطين» مرتبطة دائماً بأحداث سياسية لا كروية، على أمل اندحار الاحتلال من كامل فلسطين… وعلى أمل ان نتيقن ان ليس فقط الولايات المتحدة واسرائيل من لا يريدان ان يكون هناك منتخب كروي لدولة فلسطينية. لكن اليوم لا علينا سوى ان نقف شامخين وفخورين بأحد عشر لاعباً يضعون على فانلاتهم علماً وشعاراً لدولة اسمها فلسطين.
@khaldounElcheik
خلدون الشيخ