كأس الأمم الافريقية… فسحة أمل وفرصة لكسب الرزق في القارة السمراء!

حجم الخط
1

ليبرفيل ـ «القدس العربي»:  نفس جديد وفرص كسب جديدة في مختلف أرجاء القارة السمراء، أتاحتها كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم، والتي انطلقت فعاليات نسختها الـ31 الاسبوع الماضي في الغابون.
فمن نيامي عاصمة النيجر إلى كنشاسا عاصمة الكونغو الديمقراطية، مرورا بباماكو في مالي وصولا إلى داكار السنغالية وحتى في دوالا الكاميرونية، نبضت الحياة على إيقاع جديد واستثنائي. وبين من ابتاع لنفسه جهازا تلفزيونا جديدا حرصا على متابعة جميع المباريات، وبين من سارع بإصلاح جهازه، يتابع الأفارقة بشغف كبير التظاهرة الكروية القارية، محاولين في جميع الأحوال، التشبّث بحدث يكسر رتابة أيامهم، أو ينسيهم أزمات بلدانهم، دون إغفال الهدف المحوري في كل ذلك وهو الكسب المادي.
المقاهي والمطاعم وجميع المحلات التجارية حتى الصغيرة منها، إلى جانب صالونات الحلاقة، استعدّت بشكل خاص لحلول هذا الحدث القاري الذي من المنتظر أن تتواصل مبارياته إلى 5 فبراير/ شباط المقبل. الجميع بدا متحمّسا إلى درجة لم يتوان معها على إنفاق المبالغ المالية اللازمة لابتياع تجهيزات جديدة لمحلّه، وأجهزة تلفزيون متطورة، أملا في استقطاب أكبر عدد ممكن من عشاق كرة القدم.
سخاء لم تمنعه الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة نوعا ما في معظم بلدان القارة السمراء. حركية لافتة دبّت فجأة في جميع الأنشطة التجارية، حتى باعة قمصان المنتخبات المشاركة في البطولة الإفريقية، يستعيدون حيويتهم استعدادا لموسم الذروة بالنسبة لهم، بحسب باسيونس وهي طالبة كونغولية.
باسيونس قالت إن كرة القدم تستحوذ على اهتمام حتى من لا يكنّ حبا خاصا لهذه الرياضة في باقي الأيام، بل إن السيدات يقبلن خلال هذه الفترة على متابعة المباريات وتشجيع فريقهن المفضّل، بذات الشغف والحماس الذي يبديه الرجال. «في مثل هذه المنافسات القارية»، تضيف بحماس، «يصبح تشجيع المنتخب الوطني واجبا وطنيا، لذلك ينبغي أن نصطفّ جميعا وراء منتخبنا الكونغولي».
أجواء استثنائية شملت حتى البلدان الإفريقية التي لم تترشح منتخباتها للبطولة، مثل النيجر، هذا البلد الذي لن يكون ممثلا في التظاهرة الكروية إلا عبر الحكم يحي محمدو. فالنيجريون استقبلوا الحدث بسعادة كبيرة، كما يقول الصحفي إبراهيم تيكيري، وعدم وجود بلاده في المسابقة لا يمنع أبدا عشاق الكرة المستديرة من متابعة المباريات بذات الشغف والحماس، بحسب قوله. تيكيري أضاف أن «غياب منتخبنا الوطني عن البطولة القارية، دفع كل واحد منا لتبني منتخب آخر لدعمه». ولاستقطاب أكبر عدد من المتفرّجين، حرص أصحاب المقاهي والحانات في نيامي على اتخاذ جميع التدابير اللازمة لتأمين بثّ كامل للمباريات، سعيا نحو الزيادة في إيراداتهم اليومية.
عمر نيجري يدير حانة «غيغينغنا» في نيامي، قال: «قمنا بتثبيت شاشات عملاقة في جميع جدران المحل تقريبا، ليتمكّن زبائننا أينما اختاروا الجلوس، من متابعة المباريات في أفضل الظروف». وتحسّبا من انقطاع مفاجئ أو عطب كهربائي مفاجئ، لم يغفل عمر التفكير في الحصول على مولّد كهربائي لاستخدامه عند الحاجة. وخلافا للحماس النابض في نفوس النيجيريين، استقبل الكاميرونيون كأس الأمم الإفريقية لهذا العام بشكوك طغت على تفاؤلهم، رغم وجود منتخبهم «الأسود التي لا تقهر» في البطولة. الكاميرونية أنيت كانت تجلس أمام محلها الذي تديره في حي بيلونغي في مدينة دوالا، العاصمة الاقتصادية للبلاد، وهي ترمق جهاز التلفزيون أمامها بنظرات غاضبة. بدا من الواضح أن مقتطفات الحصص التدريبية للمنتخب الكاميروني التي تبثّها قناة خاصة لم ترق لها. وبنبرة غاضبة قالت: «لست مقتنعة تماما بمدرّب الأسود هوغو بروس، إذ لم يتمكّن من فعل أي شيء إلى درجة أننا لم نستطع الفوز على منتخب زيمبابوي في المباراة الودّية». أما في كنشاسا عاصمة الكونغو الديمقراطية، فاستقبل سكانها التظاهرة الكروية القارية بكثير من الحماس والأمل.
وبغضّ النظر عن الآمال العريضة التي يعلّقها الكونغوليون على منتخبهم للفوز بالكأس، إلا أن هذا الموعد الرياضي يشكّل نوعا ما مهربا من واقع سياسي اتّسم بكثير من التوتر في الفترة الأخيرة. وتعيش الكونغو الديموقراطية، منذ أشهر، على وقع أزمة سياسية ناجمة عن إرجاء الانتخابات الرئاسية إلى 2018، بما يمدد إقامة الرئيس جوزيف كابيلا في القصر إلى ما بعد انقضاء ولايته في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وهو ما رفضته المعارضة في بلاده. «هذه البطولة وسيلتنا للهرب من واقعنا المتوتر»، يقول الكونغولي ايريتييه نغوي، «وعشقنا لكرة القدم يجعلنا ننسى ولو مؤقتا مشاكلنا مع البطالة والحرب في المناطق الشرقية لبلادنا وحتى ديمقراطيتنا الفاشلة».
وعلاوة على الفسحة النفسية التي توفرها البطولة الإفريقية لسكان كنشاسا، يعلق عليها التجار آمالا عريضة أيضا، فهذه التظاهرة تعد لهم فرصة ذهبية لتحقيق إيرادات مجزية، خصوصا لأصحاب المقاهي. إلسا، صاحبة محل في حي كيتامبو وسط كنشاسا، قالت إن «البطولة الإفريقية والتظاهرات الكروية الكبرى من هذا النوع تترافق بالنسبة لنا بصعود تاريخي لمبيعاتنا… استعددنا كما يجب، وجددّنا مخزوننا وقمنا بتثبيت شاشة عملاقة». وأمام محلّها، يعرض جون ديزيريه على المارة بضاعته من القبعات والقمصان والسترات وغيرها من الأكسسورات الرياضية بألوان المنتخب الكونغولي. ألوان خفّفت عن كنشاسا مسحة التوتر الغارقة فيها جراء أزمتها السياسية، حتى أنه فجأة توقف سكانها عن الحديث عن بقاء كابيلا في الحكم، وعن الحوار السياسي، وأصبح حديثهم يدور حصريا عن حظوظ منتخبهم في الفوز وأداء لاعبيه، بحسب صحفي مقيم في كنشاسا فضل عدم نشر هويته.
التغيير نفسه تعيش على وقعه باماكو عاصمة مالي هذه الأيام. فالحديث عن البطولة الإفريقية سرعان ما تغلّب، ومنذ يومه الأول، على الحدث الأبرز مؤخرا، وهو القمة الإفريقية، الفرنسية المنعقدة في باماكو، وفق علي مايغا صاحب محل لبيع الملابس الرياضية. ومايغا أضاف أن «قمصان المنتخب المالي تلقى رواجا كبيرا في الأسبوعين الأخيرين». ومستدركا: «صحيح أن أداء منتخبنا أمر مشكوك فيه، إلا أننا نعتقد أنه قادر مع ذلك على المضي بعيدا في هذه المسابقة». من جهتهم، لم يفوّت الباعة المتجوّلون على أنفسهم الفرصة، ليعرضوا على المارة في شوارع باماكو، الجدول الكامل لمباريات المنتخبات المشاركة في البطولة. أما على القناة الرسمية، فتضاعفت الإعلانات بناء على طلب من المعلنين للاستفادة من ارتفاع نسب الإقبال على متابعة المباريات، والترويج تبعا لذلك لسلعهم. وغير بعيد عن باماكو، وتحديدا في العاصمة السنغالية داكار، استكمل السكان استعداداتهم وبدأوا بمتابعة المنافسة بحماس غير مسبوق. ومع أن المباريات انطلقت الاسبوع الماضي، إلا أن الكثير منهم لا يزالون يتدافعون في المحلات لابتياع أجهزة تلفزيون جديدة، أو لإصلاح أجهزتهم القديمة، فالمهم لهم، في النهاية، هو متابعة المباريات بأجود صورة ممكنة. السنغالي كاظم بوين يقيم في ضاحية روفيسك بداكار، قال إن منزله يتحوّل في كل تظاهرة كروية إلى ملتقى يجمع أصدقاءه من عشاق كرة القدم لمتابعة المباريات. «نحتسي الشاي»، ويقول مضيفًا «ومعظم أصدقائي يأتون مرتدين قبعات وتي شيرتات بألوان منتخبنا الوطني، كما يحصل وأن أستقبل في منزلي 30 شخصا دفعة واحدة».

كأس الأمم الافريقية… فسحة أمل وفرصة لكسب الرزق في القارة السمراء!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية