«كأن كلّ شيء على ما يرام » الذاكرة المحشوّة بسماق المرأة والحرب

حجم الخط
0

الكتابة فعل احتجاج، احتجاج على كلّ ما هو موجود، وما هو غير موجود أيضاً (الماورائيات )، احتجاج على الذاكرة، وأيّ ذاكرة هذه التي يحملها السوري على ظهره، ولاسيما تلك البعيدة التي تخمش جدران المدن الممتدة في رأس كلّ سوري، والقريبة المتتالية الحسابية لتلك الفترة الزمنية من المشهد السوري.
في مستشفى نوتردام في مونتريال، حيث يخضع سعد الله مقصود الشاعر والفنان التشكيلي السوري إلى جراحة في الرأس لاستخراج ورم، على سرير المستشفى كتب سعد الله «كأن كلّ شيء على مايرام»/ نصوص وقصيدة حبٍّ واحدة الصادرة عن أرواد للطباعة والنشر، والمترجمة إلى الفرنسية.
تأتي نصوص سعد الله على هيئة لوحات داكنة، متمردة، مؤلمة، بسيطة ومعقدة وجريئة. ترتكز على جدار الذاكرة المائل كزورقٍ على شاطئ بعيد، بُعد الطفولة «كان الهواء مالحاً، لكنه عذب وطريّ، وكان يأتي بحرياً، وكان هناك رملٌ أيضاً ورابية، وأمٌّ تعدّ على أصابعها لتتعرف على من لم يعد بعد، وكنت أنت، أعرف أنّك كنت أنت – أنت الوحيد في كلِّ هذا من يرغب أن يفوته العدّ».
لا تكف نصوص سعد الله عن العبث بأماكن الذاكرة تلك التي لا تطالها اليد المثقوبة، متمرغة بالمكان الاستثنائي، (البلاد داخل البلاد)، لتتعرى الصور ساخرة متهكمة على مسرح من الألم .»القتيل سعيد بجثته الكاملة، والموسيقى تعزف الفصول الأربعة في دار الأوبرا الوطنية، بينما شرطي مرور ينظّم حركة الدبابات في الشارع المقابل».
يهتمّ سعد الله في نصوصه بالمرأة، يبحث عنها، يجدها، يغادرها يعاتبها، يدافع عنها، المرأة التي ستأخذ بيده وهو يغادر المسرح الهزلي (الحياة)، المرأة الأم والأخت والحبيبة والمدرّسة والعانس وحتّى العاهرة، حيث نجد أن مفرد امرأة تكررت أكثر من عشر مرات في مواقع مختلفة، المرأة في الحرب أيضا يصورها، وهي تبحث عن أنوثتها في جيوب الموتى «المرأة تبحث عن أقراطها في جيوب الموتى».
رغم الألم الكبير والخوف من الوقوع في شرك اليأس، يسمّي سعد المرأة أملا «مازال ينتظرني الكثير/يد تلوح من بعيد لتعيدني إلى أول بيت/قبلة مؤجلة/لامرأة لا تتقن التعرّي إلا لتسمح للشمس بالشروق».
سعد العاشق ينهي نصوصه بقصيدة حبّ واحدة مفسّرا بها كروية الأرض، وسبب تمسكه بكل هذا
«من كثرة ما بحثتُ عنك
أصبحت الأرض كروية
ما من سبب آخر».
في نهاية هذه القراءة السريعة، أستطيع القول إن سعد الله استطاع أن يكتب بلغته هو «دورته الدموية» من دون تقليد، تاركا أثر يده على مقبض الباب، باب الشعر ممسكا به «كي لا يغلق دوننا».

شاعر من سوريا

عبود سمعو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية