كائنات العزلة مخلوقات من صنع الفنان السّوري سبهان آدم

حجم الخط
0

خلال سنوات الخراب السوري لم يغادر سبهان آدم دمشق. ظل قريباً من الجرح المفتوح ليبقى حاضراً كل خلجة من خلجاته غير آبه بالموت وأخباره.
تابع عمله بذات الزخم، لم تقدر أصوات القذائف والقصف أن توهن ذراعه الصلبة، كان على تماس مع الخطر أو ربما تمازج معه كما نصحه نيتشه، ليس خطر الحرب فقط، حيث أن إنتاج لوحة أو قول كلمة هي مخاطرة بحد ذاتها؛ استمر بالرسم والإنتاج، حتى أنه أصدر ثلاثة كتب باذخة الطباعة ـ كما يحرص دوماً ـ خلال الحرب وربما نكايةً بها، دون أدنى اعتبار لإشارات الاستفهام المحيطة به وببقائه في دمشق، فآدم لم ولن يغادر دمشق وهذا خياره الشخصي وسيستمر بحياته بشكلها المعروف في مملكته المعزولة عما يمكن أن يشوش روحه.
سبهان آدم الفنان السّوري المثير للجدل، بكائناته المشوَّهة والتي يطلِق عليها اسم «كائنات العزلة» المرسومة بشكل يجعلها مسيطرة تهيمن على المشاهد وتمسك به بما تمتلكه من انزياح مقصود عما هو مألوف من الكائنات التي نتعامل معها، فيختار أن يصنع عالمه بطريقته الخاصة ليوجد لغة خطاب مميزة تجذب المتلقي وهو في خوف آني سرعان ما يتلاشى عند التّأمل باللوحات جيداً حيث يتذكر أحدب نوتردام بكاتدرائيته المهجورة، ويتذكر إزميرالدا التي استطاعت إبصار الجمال الإنساني المختبئ خلف قبح الأحدب وإعاقته، مثل هذا يحدث مع كائنات آدم الذي ذكر أثناء حوار أجريته معه 16 ـ 7 ـ 2018 « أن الكائن في لوحته غير مؤذٍ، مشكلته مع نفسه فقط وليست مع الآخر، والتشوّه في الكائنات يعبّر عن أزمة الكائن البشري وغربته ومصيره المجهول».
يتقصد آدم الصّدمة التي يحملها عمله للمتلقي، فالحقيقة صادمةٌ دوماً وآدم يرسم الحقيقة دون مواربة أو تجميل، مع ذلك فإن لوحاته لا تحتوي عنفاً مباشراً ـ خارج تشوّه الكائنات ـ فلا دم في العمل مثلاً حتى أنّ حامل الرأس المقطوع يبتسم بمحبة!
لوحات آدم ضخمة، يسيطر بها على نفسية المشاهد الذي يجد نفسه هزيلاً ضعيفاً أمام العمل الضخم الواقف أمامه، تجبر المشاهد أن يبتعد قليلاً إلى الوراء ليلمّ بكامل تفاصيل اللوحة، وهذا جزء مكمل للمشهد الذي تكتبه اللوحة؛ وقد ذكر آدم بأنه يتقصد أن يماثل حجم الكائن في لوحته حجم الإنسان ليشعر وكأنه يقف أمام مرآة تعكس ذاته.
يتحرّى أن تكون لوحاته عالمية بعيدة عن الانتماءات الضيقة ـ هذا ما جعله يبدّل كنيته من محمد إلى آدم ـ ، وحتى عندما يدخل عناصر محلية في لوحاته فإنه يوظفها كتكوين تشكيلي جمالي يخدّم هدفه في خلق بصمة مميزة تعبر دون حواجز.
يتقصّد آدم استخدام مفرداتٍ تعرفها الناس، للتقليل من صعوبة تلقي أعماله، ولنفس السبب بدأ آدم باستخدام الألوان الزاهية البرّاقة في أعماله مما لطّف من تشوه هذه الكائنات وقرّبها للمشاهد، فهو يعتبر أن لوحاته طفلٌ معاق، وهو يحاول جذب الناس له وجعلهم يحبونه والثياب والأشياء الملوّنة تسهّل ذلك حسب قوله.
الوجوه عند سبهان آدم تعبيرية سريالية للغاية، غير متوقّعة، تختلف من كائنٍ لآخر وفقاً لمزاج الفنان الذاتي، أخبرني آدم بأنه لا يرسم بشراً بل كائنات أخرى تتقاطع مع البشر ببعض النواحي وكأنه يعيد تدوير الإنسان لينتج آخرَ خاصاً به يحمل بصمة آدم والتي تتجسّد في العين الزرقاء المشغولة بحساسية عالية والتي تلاحق المشاهد وتأسره للأبد، فمهما اختلفت وضعية الكائنات سواء كانت متدلية من حبل، أم جالسة على عرش، واقفة أم ممددة جميعها تشترك بأنها تأخذ وضعية النظر إلى الكاميرا أي في أعيننا مباشرةً؛ في كل الأحوال كائنات العزلة ليسوا غرباء عنا، فهم أشخاص حقيقيون يحيطون بسبهان آدم وهذا ما يبرر رسمه شخصيات ترتدي اللباس العسكري في فترة الحرب السورية، ورسمه لأطفال على «الكريجة» وفي العربة بعد أن أصبح أباً، وكذلك الآلات الموسيقية التي تملأ منزله.
الكائنات هذه تنحو لتصير جزءاً من أسطورة جديدة وخاصة عندما يُرسم الكائن بملامح مزدوجة عينين وفمين أو مع وجهٍ يحمل أصابع بارزة، أو حين يتكوّن من جنسين مختلفين بشر وأثاث مثلاً أو بشر وحيوانات ديك أو ثور حينها من الممكن للمؤول أن يحمّل هذه الكائنات صفات يلصقها بها بحكم ما علق بالذاكرة الجمعية من صفات مكرّسة عنها، فالثور ينسب له الفحولة والديك التسلط الذكوري وما إلى ذلك، إلا أن سبهان آدم قال بأن ما فعله هو بقصد السخرية والفكاهة لا أكثر، وهو نوع من التكثيف الفكري الذي يتميّز به آدم فمثلاً يسخر من الواقع بتصوير البشر كأكروبات مثلاً، أو عازف آلة نفخية مكموم الفم! مارد مصباح علاء الدين بلا مصباح.
كذلك يعتمد آدم على التكثيف البصري الشكلي أو الاختزال فأغلب اللوحات لا تحوي سوى كائن واحد مع اكسسواراته مع توابل العمل كما يسميها آدم «زركشات وزخارف وألوان»، الخلفية عنده مساحة فارغة تعطي انطباعاً عن تقشف اللوحة التي تحتضن الكائن الأعزل ليكون صرخةً عالية في وجه المتلقي، صرخةٌ سريعة لا تعرف الانتظار، وفي بعض اللوحات نجد الوجوه كثيرةً موزّعةً على نسيج اللوحة، منسجمةً مع الألوان في الخلفية لتكون معها كلّاً متآلفاً.
يرسم آدم الجميع جنودا وأطفالا ونساء وملوكا وكهنة ومتصوفة.
ولما سألته فيما إذا جرّب الخروج عن رسم هذه الكائنات قال «رسمت مواضيع أخرى بقصد التسلية ولكنها لم تعرض للجمهور».
ويعتبر آدم أن أعماله التشكيلية جميعها لوحة واحدة، لذا كان من المنطقي اعتبار لوحاته حبات من عقدٍ واحد، يعتمد فيها على الخط أكثر من المساحات اللونية التي تغيب أحياناً في عدد من أعماله المنفّذة بالفحم فقط، حيث يملأ المساحة بنسيجٍ خطي يشبه شبكة العنكبوت ويتركها تصيغ كائنه بكلّ عفوية على القماش تارةً وفي ذهن المتلقي تارةً أخرى؛ يستخدم في لوحاته خامات عديدة أحبار ومواد براقة وألوان أكريليك وتقنية سريّة يتحفظ عن ذكرها فهو مخترعها كما يذكر، فكان من حقه عدم السماح لأحد من الدخول لمرسمه.
يهتم سبهان آدم بلوحاته وبالكائن الذي يسكنها كما ذكرنا سابقاً ويعتبره صاحب الفضل بشهرة آدم، هو كائنٌ حقيقيٌّ يعيش معه ليس مجرد قماشِ ولون.
يصنّف آدم من أكثف الفنانين إنتاجاً (يرسم قرابة 300 لوحة سنوياً) وأكثرهم مبيعاً أيضاً، ويحسب له أنه بدأ بمزج الفنون بتمويلٍ خاص منه، فقد أقام عروضاً راقصةً performance modern dance لفرق من الرقص التعبيري مع خلفية تعرض لوحاته، بالإضافة لغناء من أنماط متعددة على المسرح والخلفية أيضاً أعمال سبهان في محاولة لفتح المجال أمام الناس لمشاهدة اللوحات ضمن ظروف وأجواء مختلفة خارج صالات العرض.

سبهان آدم فنان سوري من مواليد الحسكة 1972، تعلّم الفن ذاتياً.

11ADA

كائنات العزلة مخلوقات من صنع الفنان السّوري سبهان آدم

بسمة شيخو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية