باريس – «القدس العربي»: يواجه الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند وحكومته الإشتراكية أزمة سياسية غير مسبوقة منذ وصول الإشتراكيين إلى السلطة في فرنسا قد تضرب ما تبقى من مصداقيته لدى الشارع الفرنسي بعد أن انفضت نسبة ثقة الفرنسيين في سياساته إلى أقل من 15 في المئة.
وتتمثل الأزمة الجديدة في عجز الرئيس الاشتراكي حتى الآن عن انتزاع موافقة أعضاء الأغلبية الحكومية في البرلمان على منح ثقتهم لحكومة مانويل فالس في نسختها الثانية بعد تلويح عدد كبير منهم بينهم نواب من الحزب الإشتراكي الحاكم بالتصويت ضد منحها الثقة.
ويجمع المختصون أن الانقسامات الواسعة التي يتخبط فيها الإشتراكيون على خلفية تقديم رئيس الحكومة مانويل فالس استقالة حكومته الأولى للتخلص من وزراء متمردين عاكسوا خططه الإقتصادية علنا، ستجعل من مسألة حصول الحكومة الجديدة على ثقة البرلمان أمرا ليس في متناول الرئيس ولا حكومته. وكان القيادي في الحزب الإشتراكي الحاكم أرنو مونبورغ يشغل حقيبة وزارة الإقتصاد والإصلاح الإقتصادي في حكومة مانويل فالس قبل أن يقود حملة تمرد ضد سياسات التقشف التي تتبعها خططه الإقتصادي، فانضم إليه وزراء آخرون قبل أن يمتد الغضب والتذمر إلى الأغلبية الحكومية في الجمعية العمومية (مجلس النواب) وكذلك في مجلس الشيوخ.
وكانت الرئاسة الفرنسية قد أعلنت استقالة الحكومة على خلفية انتقادات علنية وجهها وزير الاقتصاد في الوزارة المستقيلة آرنو مونبورغ لسياسات التقشف التي تنتهجها البلاد، قبل ان يسارع هذا الأخير ومعه وزير التربية بنوا هامون ووزيرة الثقافة أورلي فيليبتي وكلاهم يحسبون على الجناح اليساري في الحزب الاشتراكي ليعلنوا عدم رغبتهم في المشاركة في الحكومة الجديدة. وتعتبر حكومة مانويل فالس في نسختها الثانية هي رابع حكومة ترى النور في عهد الرئيس الاشتراكي فرانسوا أولاند منذ انتخابه رئيسا للبلاد عام 2012، خلفا لغريمه اليميني نيكولا ساركوزي، والثانية لفالس في أقل من 5 أشهر.
من جهتها، انتقدت المعارضة اليمينية وبعض أحزاب اليسار تصرفات الرئيس الفرنسي والحكومة، داعية إلى حل البرلمان وتنظيم انتخابات تشريعية مبكرة من أجل ما أسمته إنقاذ فرنسا من الهاوية الاقتصادية.
وقد أجمعت وسائل الإعلام الفرنسية عن وجود ما أسمتها “أزمة نظام” بعد الإعلان عن التعديل الوزاري وانسحاب ثلاثة وزراء من أنصار السياسة الاجتماعية بعد أقل من خمسة أشهر من تعيين مانويل فالس على رأس حكومة جديدة. وتعهد رئيس الوزراء الفرنسي بإجراء اقتراع على الثقة في البرنامج الاقتصادي للحكومة التي تنتمي لتيار يسار الوسط خلال شهر ايلول/ سبتمبر أو تشرين الاول/أكتوبر المقبلين بعد الاتفاق مع رئيسي الجمعية العمومية (مجلس النواب) ومجلس الشيوخ على موعد ذلك. وكان فالس قد أعرب عن اقتناعه بأن الغالبية العظمى من الاشتراكيين سوف تدعم الحكومة بعد إجرائه تعديلا حكوميا لاستبدال ثلاثة وزراء معارضين للإجراءات التقشفية للرئيس فرانسوا أولاند. وفي حالة خسرت حكومة فالس الاقتراع وفشلت في انتزاع ثقة البرلمان، فمن الممكن أن يضطر الرئيس فرانسوا أولاند إلى حل البرلمان والدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة من المؤكد أنها سوف تشهد خسارة الاشتراكيين الذين يفتقرون إلى السند الشعبي.
ويعد الاشتراكيون وحلفاؤهم من الحزب اليساري الراديكالي نحو 289 نائبا فقط في حين تقتضي الأغلبية المطلقة توفرهم على 305 نواب ما يعني أنه بدون دعم من بعض أحزاب اليسار التي رفضت المشاركة في الحكومة بينها حزب الخضر لن يكون بإمكان حكومة فالس تأمين الأغلبية. وبعد ان انتخب بفضل دعم المدافعين عن البيئة وقسم من اليسار المتـــطرف، لم يعد بوسع فرنسوا أولاند أن يعول على اليـــساريين المتطرفين الذين أصبـــحوا معارضين، ولا على الخضر الذين لم يشاركوا في الحكومة المســتقيلة واستعادوا حريتهم في التصويت.
وزاد فالس من توتر العلاقة بين حكومته وحزب الخضر اليساري حين كان أول قرار أتخذه ضمن حكومته الجديدة إلغاء قانون مثير للجدل كان قد هندسته وزير السكنى في حكومته السابقة سيسيل ديفلو بشأن تأطير قانون الإيجار ومنع رفعه سنويا من قبل مالكي العقارات، معللا الخطوة بأنها لاستعادة ثقة المستثمرين. وواجه رئيس الوزراء معارضة من حزب أوروبا البيئة -الخضر الذي رفض مرتين الإنضمام إلى تشكيلته الحكومية، حيث قرر الحزب عدم المشاركة في الحكومة باعتبارها لا تحمل الرد المناسب على مشاكل الفرنسيين وفق تعبيره. ووفقا للقانون الفرنسي، سيكون على رئيس الحكومة تقديم إستقالة حكومته لرئيس البلاد إذا ما فشلت في الحصول على ثقة الأغلبية، وعلى الرئيس بعدها حل البرلمان والدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة. وقد جرى حل البرلمان خمس مرات في تاريخ الجمهورية الفرنسية، وذلك في أعوام 1962، 1968، 1981، 1988 و1997،هذه الأخيرة فاز بها الإشتراكيون حين تولى ليونيل جوسبان وشكل حكومة اشتراكية تعايشت مع الرئيس اليميني أنذاك جاك شيراك. وقد أكدت المادة 12 من دستور فرنسا لعام 1958 على أن «الرئيس يعلن حل الجمعية الوطنية بعد إجرائه مشاورات مع كل من رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب ثم تجري الانتخابات العامة بعد 20-40 يوما من تاريخ الحل».
ويؤيد نصف الفرنسيين حل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة لشعورهم بعدم الرضا حيال رئيسهم الإشتراكي وسياسات حكومته الاقتصادية خاصة فيما يتعلق بخطط التقشف وفرض مزيد من الضرائب الثقيلة. وطرح عدد من القادة السياسيين من مختلف الانتماءات بينهم رئيسة الجبهة الوطنية (يمين متطرف) مارين لوبان حل البرلمان كمخرج لا مفر منه لحل الأزمة الحكومية التي أشعلتها الإنقسامات داخل المعسكر الإشتراكي.
وقالت لوبان إنها على استعداد لتشكيل حكومة والتعايش مع فرانسوا أولاند، في حال أتخذ قرارا بحل البرلمان وإجراء انتخابات سابقة لأوانها، معبرة عن ثقتها في اكتساح حزبها “الجبهة الوطنية لنتائجه. وأضافت «أستطيع أن أقول لكم شيئا واحدا وواضحا جدا: نحن سنحصل على الأغلبية المطلقة لو قرر الرئيس الدعوة إلى انتخابات مبكرة، وحينها سنتحمل مسؤولياتنا ونعمل من أجل ما وعدنا الفرنسيين به».
وتعاني شعبية الرئيس الفرنسي الاشتراكي من الركود مثلما هو الحال في الاقتصاد حيث تتماشى شعبية أولاند مباشرة مع منحنى البطالة في فرنسا، فقد أشار آخر استطلاع إلى أن أقل من 15 في المئة من الفرنسيين يثقون في قدرته على التعامل مع التحديات التي تواجه البلاد.
وتواصل أعداد العاطلين عن العمل في التزايد شهرا بعد آخر، ما يثير التهكم على وعود الرئيس بوقف حالات فصل الشركات للموظفين بسبب تراجع الوضع الاقتصادي، الأمر الذي يؤكد الرأي القائل بأن فرنسا باتت فعلا رجل أوروبا المريض. وبالتزامن مع تراجع شعبية الرئيس أظهرت بيانات وزارة العمل الفرنسية أن عدد العاطلين عن العمل في فرنسا ارتفع في شهر تموز/يوليو الماضي الى أكثر من 3 ملايين و 424 ألف عاطل عن العمل، مسجلا أعلى مستوى له منذ عام 1997 .
وذكرت الوزارة في بيان – توصلت «القدس العربي» بنسخة منه – أن عدد طالبي العمل المسجلين في فرنسا ثاني اكبر اقتصاد في اوروبا ارتفع في شهر تموز/يوليو الماضي بنحو 26 ألف شخص حيث وصل اجمالي عدد العاطلين عن العمل الى 3 ملايين و 424 ألف عاطل عن العمل، مؤكدة أن نسبة البطالة تواصل ارتفاعها للشهر التاسع على التوالي، بينما وصف وزير العمل الفرنسي فرانسوا ريبسيمن الأرقام الـجـديدة بالمتوقعة لأنها تعكس النمو السلبي في منطقة اليورو وفرنسا على حد تعبيره. ويحمل الناقمون على الرئيس الفرنسي قراراته التقشفية والسياسة الاقتصادية التي تتبعها الحكومة منذ عامين المسؤولية عن إرتفاع معدلات البطالة وتردي الأوضاع الاقتصادية في فرنسا وتراجع القدرة الشرائية للفرنسيين.
محمد واموسي