لا.. ثم لا.. وألف لا! لم يستفتن أحدا حين بدأت اليد الإيرانية بالتوغل في الداخل العربي، ولا أذكر أن رأيي كان مهما حين اختلطت أوراق المنطقة وأصبحت الحدود مستباحة.
لم أصوت على القرار الأممي النظري 2170 مكافحة الإرهاب، ووقف التمويل الذي ما زال ينتظر آليات التطبيق السحرية، ولم أكن في هذا العالم حين ولد الفصل السابع من رحم الأمم المتحدة وبالصدفة الحسنة أكثر البلدان التي خضعت له عربية، وما سعيت يوما إلى أن يكون لاجتماع قمة عربية فائدة.. وما أن اتفقوا قتلوا الحلم الأخير، فما أبشعنا.. حين توحدنا.
(اللازمة) هل أنت مع الحرب ضد الحوثيين في اليمن؟ نعم.. لا.. جميع ما ذكر.
ما زالت الصحف الإلكترونية والقنوات العربية المقاتلة تخصص خانة لاستفتاء رأي الجمهور حول الحرب ضد الحوثيين، أرميتم ما تبقى منا من إنسان في الجحيم، ثم تسألون بقايا هذا الانسان عن رأيه؟ ليسوا أصحاب الحرب من تلازمهم الخطيئة، نحن من يجب أن نبتلع صكوك الغفران، نحن الذين أنهكتنا الحروب فأصبحنا نصفق للمعارك الطويلة الخاسرة واحدة تلو الأخرى، وأطفالنا ليسوا إلا وقودا تضيء شعلة نفطهم، وحجارة على رقعة لعبة التقسيم الجارية على قدم وساق الأشبه بسباق الفورمولا.
ما أطول هذه العاصفة والحزم لا يعرف الروية، فهو يأخذ الأمر بشدة ويضبطه، وللأسف لم يأتنا من العاصفة الرملية إلا انفلات أكبر وقتل للأبرياء وتصفيق جماهيري مؤيد لحرب معالمها قد محيت، هو اقتتال تركي قلبا وقالبا، قلبا اقصد بها طول المشاهد الممتدة على 278 حلقة! ونيتي سليمة من حيث القالب. وعلى المقياس المستغانمي إن الحزم بدلا من الإخلاص لا يطلب على الإطلاق، لن في طلبه استجداء ومهانة للحرب، فإن لم يكن حالة قوية فهو ليس أكثر من تحايل دائم على شهوة العمالة، أي أنه خيانة من نوع آخر.
(اللازمة) هل أنت مع الحرب ضد الحوثيين في اليمن؟ نعم.. لا.. جميع ما ذكر.
أصبحت مقتنعة مليون في المئة أن الاستفتاء عميل ومخبر مجند على الأرض يرتدي طاقمه الوحيد الرديء ونظارته السميكة يجلس على قارعة الطريق يحدق بنا من ثقب في صحيفته المهترئة، ويراقب نتيجة الاستفتاء، وما أن أجبنا بـ(نعم) تنقلب المعادلة وتزداد فرصة توسع رقعة الحوثيين والدواعش على الأرض! أي أن قصفا عربيا أقوى بموافقة أمريكية يساوي امتدادا عفويا للإرهابيين، عفويا لدرجة استيلائهم على الدبابات وامتلاكهم عملات خاصة بهم وبطاقات شخصية منحت لسكان المناطق المسيطر عليها، وتحت مسيطر عليها سأضع مليون خط أحمر، كيف يحكمون قبضتهم على الأرض وهم منهكون جدلا من القصف الكثيف؟ أما عن الضحايا المدنيين فهم قفة من الهم يتلاقفها الحازمون ومن يقع عليهم الحزم، وكلاهما يلفقان التهم مساءً وإبرة الشاشة الصغيرة جاهزة في كل صباح لتنسج خيوط الأجندة المرقعة!
وها نحن ذا نقتل بعضنا، ليس بالصواريخ فقط، بل بالنوايا الكيماوية التي ترفع أمام مفعولها الراية البيضاء، فحين يكون ألمك عنصريا والحزن لديك انتقائيا ودموعك تنهمر فقط بحسب توقيت نشرة الأخبار المحلية، فالنتيجة أن طفل اليرموك الجائع فقط من يبكيك وطفل الغوطة الشرقية أمره لا يعنيك وأطفال اليمن محكومون بمزاجية انسانيتك وبانتماءاتك التي ترضيك، فأصل المشكلة متجذر فينا، ورغم ذلك سأجري استفتاء عكسيا؛ ألم تكهل ظهوركم أعباء القصف اليومي؟ أم أن علامات الذهول والدهشة والحاجة تظهر فقط على محياكم أمام صرخات المساعدة حين تأخذون بالبلاد إلى أزمات غذائية وخيمة.
لم يستفتن أحدا ..أعيد وأكرر، كنت نائمة حين بدأت العاصفة، وحين استيقظت كان لها اسم ووصف وكناية.
وكاترينا اليمن انطلقت في العالم الافتراضي وبهاشتاغ تجاري، قبل أن تهب فعلا، باختصار سأغني لكم الحكاية لتبدو أسهل، فعلى نهج الطفولة كل شيء أجمل حتى دوي الموت:
ها نحن ذا.. على دروب حربنا.. نُقتل معا وآمال الحرية تسير قبلنا..
من غيرنا يقصف أبرياء مثلنا.. درب خطيرة الى شبه الجزيرة من غيرنا
عاصفة مميتة وأخوة لنا ضحايا فيها.. آلاف المخاطر لأنها كثيرة .. لكننا لسنا معا.. و كنزهم في الجزيرة.
«هل تريد حقا عودة الدولة لأصحابها وفرض السيطرة على أراضيها وإعادة الأسلحة إليها من دون تهديد أمن دول الجوار؟ ضع منهجا واضحا للحرب، حدد عدوك أو على الأقــــل عالـــج أسباب ظهوره ثم دع ضميرك يخط أسس الوثيـــقة وانسانيتك تعيدها على مسامعك) وأنت أيها العــربي لا تغرك الاستفتاءات الشكلية هي فقط لمجاملة كرامتك ومهدئ لمونولوجك الداخلي، إلا إذا عقدت نية التغيير، حينها انهض.. قف على ناصية الحلم وعد إلى السطر الأول من المقال.
٭ كاتبة أردنية
لانا العطار