كارثة ضياع تاريخ في مصر

في خضم الصراعات المتأججة حولنا أصبحنا عديمي البصر والبصيرة، غير آبهين بالدمار الذي يحل بنا. فكل منا يحاول النجاة بنفسه والابتعاد عن الخطر بشتى الطرق، فأصبحنا غير مهتمين بالدمار الهائل في بلادنا.
ومن ضمن الدمار الأضرار الهائلة التي لحقت بالآثار في الشرق الأوسط، ولكننا هنا سوف نتطرق إلى بلد معين وهو مصر، وسنأخذ هنا مثالا ليس فقط مهما، بل وحيا أيضا، لأنه بدأ ولا يزال يتزايد بشكل متسارع وبدون ظهور أي إشارة لنهاية له، ألا وهو سرقة الآثار المصرية، وأخص بالذكر هنا الآثار التي تسرق من المواقع الأثرية الأصلية مباشرة، والتي لا يتكلم عنها الإعلام المصري لسبب مجهول، ولكن هذه السرقة البالغة الخطورة تحدث اليوم بشكل متواصل، وعلى مرأى ومسمع المهتمين بهذا الشأن. وعندما يقوم اللصوص اليوم بسرقة الآثار من الموقع فإنهم يقومون بحفر الموقع مسببين حفرا قد يصل عمق الواحدة منها حوالي عشرة أمتار، وتؤدي عملية الحفر هذه إلى حدوث أضرار جسيمة بالموقع، ومن الغباء الاعتقاد بأن الحفاظ على القيمة الأثرية للموقع من أولويات اللصوص. ومن الممكن مشاهدة هذه الحفر بالأقمار الاصطناعية بسهولة، وهذا ما قامت به العالمة الأمريكية سارة بارجاك من جامعة ألاباما، حيث قامت بمسح لألف ومئة موقع أثري في مصر في منطقتي وادي النيل والدلتا (أي جزء من العدد الكلي من المواقع الأثرية في مصر) بين عامي 2002 و2013 وكان ما اكتشفته كارثة حقيقية، فقد كان عدد الحفر التي حفرها اللصوص في المناطق التي شملها المسح عام 2008 أكثر من ثلاثة آلاف حفرة، وإذا اعتقد القارئ أن هذا الرقم مخيف، فإنه على حق، إلا أن هذا لا يمثل سوى البداية، فقد بدأت الزيادة الكبيرة في الحفر عام 2009، حيث وصل عدد الحفر إلى حوالي ستة عشر ألف حفرة وليزداد عام 2010 إلى حوالي تسعة عشر ألف حفرة، وازدادت الحفر مرة أخرى عام 2011 وحتى عام 2013، وهو تاريخ نهاية هذا المسح، حيث وصل عدد الحفر الجديدة كل سنة خلال هذه الفترة القصيرة إلى ثمان وثلاثين ألفا حفرة. ولم تشكل هذه الأرقام زيادة في عدد الحفر فقط، بل في التوسع الجغرافي لنشاط اللصوص، فمثلا لم تكن هناك أي حفرة في منطقة هرم المملكة الوسطى لأمنمحت الثالث عام 2009، ولكن الحفر بدأت في الظهور عام 2011 لتزداد بسرعة بعد ذلك. ونحن لا نعرف عدد أو القيمة الأثرية للآثار المسروقة، وإذا كان اللصوص من المحليين أو الأجانب أو خليط منهم، وكم عددهم الذي يبدو كبيرا، فالحفرة الواحدة تحتاج إلى جهود مجموعة أشخاص ويستغرق وقتا طويلا، ومن المحتمل أنهم استعملوا معدات ثقيلة للحفر، كما أننا لا نعلم إذا كانت هذه الآثار تهرب فورا إلى خارج مصر أم أنها تجمع أولا في مخازن لتهرب لاحقا. الأسئلة كثيرة وأولها وأهمها هو ما رأي الحكومة المصرية في كل ذلك، فمن غير المحتمل أن عمليات سرقة خطيرة في هذه الضخامة وعلى طول هذه الفترة الطويلة لم تلفت نظر أحد في مصر، وكما يقول المثل «المال السايب يعلم السرقة». وهناك جانب غريب لا يلاحظه الكثيرون وهو أن بيع الآثار في الغرب تجارة علنية، خاصة عن طريق دور المزادات وقد زاد عدد الآثار المصرية التي تم بيعها عام 2009 بشكل واضح. وقد لا يدرك الكثيرون فداحة الخسارة العلمية الناتجة عن هذه السرقات، بالإضافة إلى أن كل هذه الآثار ممتلكات مصرية خالصة. ولكن الأمر لم ينته هنا، فهناك المزيد من الأضرار، ففي يوم السبت 17/12/2011 وفي خضم الاضطرابات والمعارك بين المتظاهرين وقوى الأمن في ميدان التحرير في القاهرة، شب حريق في مبنى «معهد مصر» المؤلف من طابقين، الذي كان يحتوي على كنز متكون من حوالي مئتي ألف كتاب ومخطوطة، تحول أغلبها إلى رماد، وأهم الخسائر كانت نسخة أصلية من كتاب «وصف مصر» المكون من ثلاثة وعشرين جزءا، كتبت جميعا بخط اليد، والذي كان ثمرة جهود مئة وسبعة وستين عالما فرنسيا (أطلق عليهم اسم الحكماء) من شتى المجالات كان نابليون (1769 – 1821) قد جلبهم معه عندما احتل مصر (1798 – 1901) واستغرق العمل على هذا الكتاب حوالي عشرين عاما (1809 – 1828) واشترك في تنفيذه ألفا فنان وفني من فرنسا، وكان يعتبر أعظم ما كتب عن مصر وعن الحضارة المصرية القديمة وأحوال مصر من النواحي الاجتماعية والثقافية والدينية والسياسية، إبان احتلال نابليون لها، واحتوى على أكثر من ثلاثة آلاف رسم ونقش زاد طول بعضها على المتر الواحد، وقد اعتبر هذا العمل إنجازا فائقا من الناحيتين العلمية والفنية ومثالا للفكر الإنساني في قمته. ووصف مدير المعهد محمد الشربوني حرق المعهد بأنه يعني أن جزءا كبيرا من تاريخ مصر قد انتهى.
وهناك جوانب أخرى من الحالة السيئة التي تعانيها الثقافة في مصر، فالأدب والمسرح والغناء في حالة معاناة شديدة، فمن أشهر الروائيين العرب كانوا من مصر مثل نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم. ومجموعة من أعظم المغنيين كانوا أيضا من مصر من أمثال، محمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ وأم كلثوم. وأشهر الممثلين كانوا أيضا من مصر من أمثال، نجيب الريحاني ويوسف وهبي، بالإضافة إلى الملحنين مثل، زكريا أحمد وبليغ حمدي وغيرهم من عمالقة الثقافة المصرية يشتركون في أنهم جميعا توفوا ليأتي بعدهم من هو أقل منهم بمراحل ويصبح الإنتاج الثقافي الحالي هامشيا، وقد يكون خير وصف للمستوى الثقافي في مصر الآن هو الكلمة التي طالما كان يرددها الفنان الكبير يوسف وهبي وهي «يا للهول» ولكننا يجب ألا نفقد الأمل.

كاتب عراقي

زيد خلدون جميل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية