ما كشفه كارلوس في شهادته التاريخية، يضيء على بعض الزوايا المعتمة في مرحلة الكفاح الفلسطيني المسلح، حديث عن علاقة مأزومة بين المال العربي والنضال الفلسطيني وما زالت، وتفاصيل تعاطي الانظمة العربية مع القوى الفلسطينية المسلحة ومحاولة استثمارهم كورقة ضد الغربيين، والعكس صحيح، وتناول مفصل لخلافات قيادات الجبهة الشعبية وحركة فتح، وطبيعة العلاقات بين رفقاء السلاح وسلوكيات القادة، من رائحة اقدامهم حتى علاقاتهم الحميمة، فالرجل لم يعد لديه شيء ليخسره او يخشى قوله، وهو يذكرنا بالمسؤولين الغربيين الذين يكشفون معظم الحقائق، ويتلون اعتذارهم لضحاياهم بعد تركهم لمناصبهم.
بيد أننا لا نعرف الحقائق ببلادنا العربية بعد ترك المسؤولين لمناصبهم، لأنهم ببساطة لا يتركون مناصبهم! لذلك سيكون من المفيد الاطلاع على تفاصيل شهادته في الكتاب الذي يعده الصحافي الفرنسي كارلوس الذي يقضي أحكام سجن ستبقيه مدى حياته وراء القضبان، هو احد عناوين مرحلة البزوغ اليساري في فلسطين والمشرق العربي، بزمن قيل فيه اذا هطلت الامطار في موسكو رفع الشيوعيون مظلاتهم في دمشق، هذه المرحلة وتنظيماتها اليسارية الطابع باختلاف درجاتها، سواء اختلفنا معها او قبلناها تركت بصمتها السياسية والثقافية في منطقتنا، بندقيةً وشعراً، من جورج حبش وحاوي وحتى درويش والقاسم. كارلوس الذي نفذ اعمالاً وصفت بالارهابية يعاقب لتنفيذه اعمالاً قتلت مدنيين ابرياء، ويتفق البعض حتى من داخل الحركات اليسارية وقادتها ان الكثير من اعماله كانت مضرة بالقضية الفلسطينية، ويطرح هنا السؤال نفسه عن ميزان العدالة الدولية الذي يكيل بمكيالين، عن مدى الأذى الذي ألحقه شخص مثل كارلوس بالابرياء مقارنة بما تفعله دولة كإسرائيل بالأبرياء.. او ما فعله زعماء حرب من دول غربية بالعراق وسوريا، وحتى لا نخوض في قائمة افاعيل العالم الغربي المتحضر من هيروشيما وحتى مذابح الجزائر التي اعترف بها مؤخراً الرئيس الفرنسي، قصرنا المقارنة بين اسرائيل وخصمها كارلوس. فالارقام الخاصة بالانتهاكات التي تبرز الارهاب الاسرائيلي واضحة ولا تحتاج الا لإعادة تذكير، ليس لأننا حفظناها فحسب، بل لانها لم ولن تكون يوماً عاملاً مؤثراً في اقناع الدول الغربية بالانتصار لضحايا الارهاب، ولعل الرفض البريطاني مؤخراً للاعتذار عن وعد بلفور رغم ما ساهم به من تدمير وتشريد شعب، هو آخر حلقات هذه السياسة الدولية التي لا تعبأ حقيقة بالضحايا او الابرياء عندما يتعلق الامر بمصالحها القومية. كان كارلوس يسارياً، ولم يكن اسلامياً جهادياً، وهكذا كل الحركة النضالية الفلسطينية في زمنها الاول، لم تكن تعرف الحراك الجهادي الاسلامي كما هو اليوم في فلسطين والمنطقة، ولكن ما الفرق في النظرة الاسرائيلية بين اليساري المعادي والاسلامي؟! او بين ابو عمار الذي مات بسم اسرائيلي او بين احمد ياسين الذي مات بصاروخ اسرائيلي؟! او بين ابو علي مصطفى قائد الجبهة الشعبية الذي قتلته اسرائيل بقصف طائرة او الرنتيسي قيادي حماس القتيل بالصاروخ نفسه؟ او بين كارلوس وغيره من اليساريين في الجبهات اليسارية التي نفذت عشرات العمليات الانتحارية والفدائية بالستينيات والسبعينيات وبين عياش ورفاقه المقاتلين في حماس في التسعينيات؟ من ناحية النظرة الاسرائيلية فان هذه الفروقات موجودة لدى الفلسطينيين فقط وليس الاسرائيليين! فهي وان كانت موجودة فكرياً الا ان مفاعيل الشقاق والاقتتال الذي تحدثه في الحالة الفلسطينية الواحدة اكبر بكثير من مفاعيل النزاع الذي تحدثه داخل الحالة الاسرائيلية التي تمتلك وعياً قومياً يجعلها تعالج هذه التباينات نفسها داخل المجتمع الاسرائيلي من يسار شيوعي الى اليمين الديني بلا أضرار كبيرة على البيت الاسرائيلي الواحد، وبينما يغرق الفلسطينيون ومثلهم العرب بفصائليتهم القبلية فإن اسرائيل والغرب ينظر إليهم لهم ككتلة صماء واحدة… كلهم في الحرب ارهاب… كلهم في الحرب عرب.
كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
وائل عصام