كاظم خنجر: الشعر يبعدني عن الرصاص الذي لا يتوقف

حجم الخط
0

يعتبر كاظم خنجر حالة شعرية واقعة بكليتها في منطقة خاصة جدا ومنفردة، على طول جغرافيا الحساسية الجديدة في قصيدة النثر العربية، فهذا الشاعر الذي ما زال في ريعان قصائده، استطاع منذ وقت مبكر، وعلى شاشة صفحته على «الفيسبوك» لا غير، أن يجذب انتباها نقديا وازنا لأعماله، ويلقى التفافا حول قصيدته، مكنه ليحتل مكانة مرموقة داخل مدونة الشعر العراقي المعاصر، رفقة أعضاء المجموعة التي شكلها مع ثلة من الشعراء الشباب )مليشيات الثقافة( التي صار لها بدورها صدى طيب، وانتشار محمود.
في هذا الحوار نتعرف أكثر على كاظم خنجر، ونتجاوز معه منطقة صمته الذي عودنا عليه، ليفصح عن نظرته وما يظل شاغله في علاقته مع الشعر، وعلاقة الشعر معه.

• بداية لهذا الحوار، ما فاتحة النص الذي ورطك في عالم الكتابة؟ خبرنا قليلا عن البدايات؟
□ عقب الدخول الأمريكي للعراق عام 2003 تعطلت الحياة لشهور عديدة، وساد حظر تجوال مستمر، بالإضافة إلى غياب الماء والكهرباء. في تلك الفترة كان عمري 13 سنة، تحت ظل الفراغ وأصوات الرصاص، كنت أهرب من ذلك محاولاً إشغال نفسي بشيء معين، ولكن لم يكن سوى كارتون الكتب والصحف القديمة المرمي مع الخردوات المتروكة على سطح المنزل، لا أعرف من أين جاء، ولم اسأل عن ذلك أبداً؛ لأنني ولدت في عائلة بعيدة جداً عن الأدب والقراءة. يحوي الكارتون كتابا شعريا ممزق الغلاف لاحقاً عرفت أنه ديوان المتنبي، كان يبعدني عن الرصاص الذي لا يتوقف خارج البيت، ويورطني برصاص آخر.
• لديك رغبة عارمة في الكتابة، ما يوضحه غزارة إنتاجك؟ ماذا عن طقوسك الكتابية؟
□ هي ليست رغبة وإنما واجب؛ لأنني لا أؤمن بالكتابة التي تأتي نتيجة للقراءة والاطلاع، والمعرفة التي تأتي من الكتب. أؤمن بالحياة اليومية كمصدر للكتابة، والتجربة الخاصة تحديداً؛ لهذا أنا في كل يوم أخرج لوظيفتي اليومية وهي البحث عن النصوص في حياة الناس (مع أصدقاء ميليشيا الثقافة: مازن المعموري وعلي ذرب ومحمد كريم)، تجوال لا ينتهي في حياة خطرة ومدمرة. كل هذا عمل على إغناء تجربتي الشخصية، بحيث جاءت الغزارة في الكتابة نتيجة لالتزامي بهذه الوظيفة، وليس لقدرتي العالية على الكتابة.
• في منظورك ما هي وظيفة الشاعر اليوم؟
□ الشعر هو تكريس للأنانية والهوس بالذات والاعتقاد بمعرفيتها المطلقة، وعليه كل شاعر يحدد هذه الوظيفة وفقاً لتجربته ومعرفته الخاصة.. من ناحيتي أعتقد بأهمية الوظيفة الفكرية على حساب الوظيفة الجمالية والشكلية، وتحديدا ما يخص فهم الهوية الثقافية وتفسيرها. هويتي الثقافية كعراقي الآن بكافة أشكالها ومضامينها (الطائفية، العسكرية، العشائرية، السلوكية، القانونية والذوقية…).
• في ديوان «نزهة بحزام ناسف» هناك نزوح صارخ نحو المباشرة، والــــذهاب إلى حدود التـــماس مع التقريرية، هل ذلك نوع من خرق الأسلوبية، في بحث عن جماليات جديدة أو نوع من الاحتجاج الشعري على تخشب الواقع؟
□ نعم المباشرة والتوثيقية والتقريرية، فهذه التجربة هي مجرد مشاهدات لا أكثر تحمل نوعاً من الاحتجاج ضد الشعر كمفهوم قائم على البلاغة والخيال، الذي لا يستطيع أن يشرح تلال الجثث وبرك الدم التي في الشــوارع، لا يستطيع شرح مجازر لا تقف، وعليه هذه المجموعة لا تحتج على الواقع؛ لأنها صورته.
• كيف تجمل لنا تقييمك لعمل «مليشيا الثقافة» بعد أكثر من عام على انطلاقتها؟ كيف ترى للصدى الذي أحدثته؟
□ ببساطة هذا المشروع هو درس في إعادة فهم وتعريف ثقافة المنطقة.. الثقافة التي تأسست على القتل والموت والإرهاب، لهذا جاء السؤال: إلى متى نجلس خلف طاولتنا وكتبنا ونتأمل في الدمار؟ وعليه تخلصنا من هذه الصيغة التقليدية في فهم الثقافة والحياة، وقمنا بالذهاب إلى السيارة المفخخة ولمسها والتعامل معها وأداء الشعر فيها، ودخلنا في أقفاص «داعش» وغيرها من أماكن الموت. كل هذا للتعبير عن شكل الثقافة التي تشبهنا.. الثقافة التي تشبه إنسان هذا المكان. أعتقد أنها حققت صدى جيدا وأثرا واضحا في أغلب ما يكتب الآن.
• يحسب لقصيدتك أنها أعادت الهم الجمعي إلى الشعر، حيت نستطيع أن نجد صوت العراقي في نصوصك بذاتية صداحة، في وقت يتخفف الجميع من السياسي والمجتمعي داخل القصيدة نظرا لبنيتها الجمالية الهشة كما يطرحون، ما رأيك في هذا التيار الذي يقول إن قصيدة النثر هي قصيدة اليومي والفردي؟
□ في الواقع هو ليس تياراً وإنما دعوة لأن النماذج التأسيسية لقصيدة النثر قائمة على التأملات الفردية واليومية، وعليه يمكن لأي كاتب قصيدة نثر أن يرفض هذه الدعـــوة ويؤسس نمـــوذجه الخاص. بعيداً عن هذا لا يمكن للكتابة الآن بشكلها العام أن تعبر عن الحياة التي نعيشها، فكل ما تقدمه مجــــرد توصيفات وإنشاءات لغوية لا تنتهـــي، لهذا اقترحنا الأداء الشعري كشكل للتعبير عما يحدث، فالأداء لا يصف وأن يتعامل ويتحكم، لا يغيب وإنما يحضر، لا يُرمّز وأنما يشير، لا يتحذلق وإنما يوضح، لا يخدع وإنما يفسر.. كل هذا وغيره من عناصر الاختلاف في صياغة التعبير، تجعل من قصيدة النثر مجرد كائن ساكن خاضع للقواعد..

كاظم خنجر: الشعر يبعدني عن الرصاص الذي لا يتوقف

حاوره ـ عبد الواحد مفتاح

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية