بعد أن ترجم إلى الإنكليزية عدداً من أعمال السرد العربية المتميزة، بلغت 18 رواية ومجموعة قصصية (بينها نجيب محفوظ: «زقاق المدق»، «كفاح طيبة»، «رادوبيس»؛ والياس خوري: «باب الشمس»، «كأنها نائمة»، «يالو»؛ وبهاء طاهر: «واحة الغروب»؛ وحمدي الجزار: «سحر اسود»؛ ومحمد مستجاب: «حكايات من ديروط»…)؛ فرغ المترجم البريطاني همفري دافيز من ترجمة العمل الكلاسيكي البارز «الساق على الساق فيما هو الفارياق»، للأديب واللغوي والمترجم اللبناني النهضوي أحمد فارس الشدياق (1805-1887).
وكان هذا الكتاب قد صدر سنة 1855، وشكّل مساهمة كبرى في إطلاق تفكير عربي نهضوي وحداثي، كما اقترح نموذجاً مبكراً (ونادراً تماماً، في عصره) لأدب السيرة الذاتية؛ فضلاً عن مقترحات أسلوبية في اللغة والنحت والاشتقاق، وطرائق تجديدية في السرد أيضاً. ولهذا لم تتردد الروائية المصرية رضوى عاشور في اعتبار «الساق على الساق» بمثابة «الرواية العربية الأولى والأهم»، فأسهمت بذلك في توسيع السجال حول الروايات التي تستحق هذه الصفة: «وي.. إذن لست بإفرنجي»، 1859، لخليل خوري؛ أم «غابة الحق»، 1865، لفرانسيس مراش؛ أم «الهيام في جنان الشام»، 1870، لسليم البستاني؛ أم «غادة الزاهرة»، 1899، لزينب فواز؛ أم «زينب»، 1914 لمحمد حسين هيكل…
من جانبه يقول دافيز، في مقدمته للترجمة الإنكليزية: «لأنها منوطة بسواها وثنائية في علاقتها بالمزاعم الكونية وتعبيرات المركزية الأوروبية، فإنّ الحداثة في «الساق على الساق» لا تبدو كمرحلة ضمن مسار خطّي أحادي للتاريخ، بل كإسم وُهب لكلّ «التواريخ المتناقضة» التي كانت بذاتها متداخلة أصلاً». وهكذا، يتابع دافيز، يبدو العمل «صورة لعالم تتبدّل فيه الثقافة المادية والأدبية»، خاصة وأنّ الشدياق «ينخرط في التراث الأدبي للماضي، وكذلك الظروف الاجتماعية والأدبية للحاضر»، ويكتب ضمن «حوار مع أدب ولغات أوروبا».
سوى هذا العمل، وضع الشدياق مؤلفات عديدة هامة، في اللغة والأدب والرحلة ونقد الاستشراق، بينها «الواسطة إلى معرفة أحوال مالطة»، و»كشف المخبا عن فنون أوروبا»، و»سرّ الليال في القلب والإبدال»، و»الجاسوس على القاموس»، و»كنز الرغائب في منتخبات الجوائب»، و»الباكورة الشهية في نحو اللغة الإنكليزية»؛ فضلاً عن «منتهى العجب في معرفة لغة العرب»، التي لم يتبقَ منه سوى أجزاء قليلة منشورة في صحيفة «الجوائب»، بسبب احتراق المخطوط الأصلي. ولد في لبنان لأسرة مارونية، ثمّ تحوّل إلى البروتستانتية سخطاً على الكنيسة المارونية ( اعتُقل شقيقه أسعد، لعلاقته مع المبشرين البروتستانت، وعُذّب حتى الموت)؛ وسافر كثيراً، فأقام في مصر ومالطة وتونس وإيطاليا وفرنسا، كما أنجز خلال إقامة في بريطانيا، ترجمة الكتاب المقدس إلى العربية، بالتعاون مع المستشرق الإنكليزي صمويل لي (1783-1852). كذلك شاء، في كهولته، الاهتداء إلى الإسلام، ومن هنا صار اسمه أحمد فارس الشدياق.
والفارياق، الشخصية الرئيسية في «الساق على الساق»، مشتقّ من جمع الأحرف الثلاثة الأولى من اسم ولقب المؤلف؛ وهو يبدأ الكتاب بقصيدة طويلة، ساخرة ونقدية، مطلعها: «هذا كتابي للظريف ظريفا/ طلق اللسان، وللسخيف سخيفا»! والشخصية النسائية في العمل نموذج جديد، مفاجىء وجسور، للمرأة كما لم تعهدها المؤلفات العربية. وباختصار، الكتاب فريد من حيث خصائصه الأدبية واللغوية، يختلط فيه الجدّ بالهزل، والمرارة بالفرح، وتحليل الشحصيات بتشريح المجتمعات، والفلسفة العميقة بالسخرية العابرة؛ كما أنه قاموس في حدّ ذاته، بسبب احتوائه على كمّ هائل من المترادفات النادرة التي تبرهن على ثراء لغة الضاد.
ويجمع باحثون كثر على أن الشدياق كان في عداد أوائل روّاد النهضة العربية، ولم يتردد في إثارة قضايا التنوير والتحرر الأكثر حساسية، مثل الاستبداد، وحريات المعرفة والمعتقد والتعبير، وتحرير المرأة (قبل قاسم امين بزمن طويل)، وإقامة علاقة جديدة وصحية مع التراث الثقافي، بالإضافة إلى إعادة تأسيس علاقة واعية ونقدية مع الآخر الغربي، ونقد الاستشراق. ولعلّ هذه الأسباب، وسواها تلك التي تتعلّق بأنشطته اللغوية تحديداً (قدّم، مثلاً، أوّل نقد جريء للفيروزبادي، صاحب «القاموس المحيط»، حيث عدّ فيه 24 مثلبة)، ومواقفه الجسورة من الجنس والحياة الاجتماعية والحداثة والكنيسة؛ هي التي أدّت إلى تهميش أعماله في العقود اللاحقة، بعد أن رحل وهو قامة شامخة وصاحب مكانة كانت بين الأرفع في عصره.
Ahmad Faris al-Shidyaq: Leg Over Leg
Edited & translated by Humphrey Davies
Library of Arabic Literature, NYU Press, 2014. 416 pp.