«كبابيل الآخرة» لعبدالوهاب الملوح: لعبة التعدد اللغوي لكتابة اللحظة التونسية

حجم الخط
0

■ تنتهي رواية «كبابيل الآخرة» بورود خبر الانفجار الذي هز أحد المباني الحكومية وإصابة المحامية سما عمري وخليل وهو يسحب أوراق رسالة من جيبه صائحا «لماذا تأخرت؟ لماذا تأخرنا؟ هي وحدها لم تتأخر؟.
ولكن هذا المشهد يعيدنا إلى لحظة بداية القراءة فبهذه الرسالة وبسؤال التأخير افتتحت الرواية «هل تأخرت؟ ربما غير أنني لم أتقصد ذلك؟. لعل هذا ما يجعلنا أمام سرد دائري انتهجه الملوح في روايته ملقيا بروايته في مضمار كسر النمط الروائي ملغيا طمأنينة الأحداث ومتجها بها في كل حدب.
تتعدد مظاهر هذا الأسلوب، ولكننا سنكتفي بالنظر في تخلص الكاتب من السارد الوحيد مسندا ضمير المتكلم إلى أكثر من شخصية. وهو ما يجعلنا نلمح في هذه الرواية تعددا صوتيا ولغويا، فالكاتب تعمد الكتابة لا بألسنة شخصيات مختلفة فقط وإنما بتقمص لغات اجتماعية مختلفة.
ومن الطبيعي أن يجرنا هذا المسعى في بداية الأمر إلى فك الالتباس الحاصل في مفهومي التعدد الصوتي واللغوي، وهما مفهومان يعيداننا إلى حوارية باختين فالتعدد الصوتي في الرواية الحوارية يتجاوز الطابع الشكلي اللساني نحو تعدد لغوي أيديولوجي. فهو «ليس تعددا لأصوات جوفاء، كما عند البنيويين والشكلانيين» بل هو متسم بطابع اجتماعي وسياسي «مشحون بأيديولوجيات مختلفة»على حد تعبير ميخائيل باختين. ذلك أن المتكلم في الرواية «هو فرد اجتماعي ملموس ومحدد تاريخيا وخطابه لغة اجتماعية» وهو يحمل خطاب طبقته وفئته ومهنته وتوجهه الأيديولوجي. فالتعدد اللغوي ليس تعددا لسانيا يتعلق باللهجات واللغات ولكنه تعدد أيديولوجي يجعل الرواية فضاء لمواقف اجتماعية متضاربة. إنها كتابة يتقمص فيها الكاتب أدوار شخصيات مختلفة اللغة الاجتماعية. ولعل رواية «كبابيل الآخرة» تحمل هذا التعدد وتجسده بما تتيحه من سرد داخلي، وما فيها من اعتماد لطريقة التداعي الذاتي التي تصلها أيضا بتيار الوعي، فالقارئ يسمع أصوات لغات اجتماعية مختلفة ترد عبر الاستبطان أو الحوارات المنقولة… سنحاول فرز بعضها والبحث حول دلالات التقائها في الرواية.

لغة المثقف

لم يتخلص عبد الوهاب الملوح في روايته من شخصية الشاعر وهواجسه. فلقد ظل حضور الشعري متواترا ومتنوعا عبر إيراد مقاطع شعرية واعتماد أساليب الترسل والتصوير الشعري وطرح أسئلة الشعر ورؤاه. فتحضر شخصية الشاعر بما فيها من روح مغامرة ومتمردة: «أنا مشوه القصائد حامل الحواشي والهوامش إلى شرفات المتن محرف العناوين والأسماء ومروض كائنات الأبجدية المنفلتة. أنا مهرب النصوص من دولة النحو ومن مجلدات الكتاب أصحاب أربطة الأعناق الممدودة».
حاملة معها أشياءه الحميمية وعوالمه الذاتية»:
«أحب القراءة والسكر وسينما العشق الخاسرة».
ولا تقتصر لغة المثقف على الشخصية الشعرية، بل تعترضنا في مواقع أخرى مثل الحديث عن الكتب أو التحاور حول شخصية المسرحية التونسية جليلة بكار.

لغة العاشق

تبرز من خلال لغة خليل والمحامية سما عمري، وما بينهما من محطات وذكريات عشق:
«ونحن نستقل مقعدينا ألقت برأسها على كتفي ابتسمت وهمساتها تصلني وشوشة:
بيتنا قطار لا يتوقف.
همست في أذنها:
لن تصل فليس هناك مدينة أسكنها وأتسكع فيها غيرك
وضعت سبابتها على شفتي وماءت في أذني:
يجب أن لا نصل كأنك تتغابى ألا تعرف أن الحب رحلة بلا نهاية.

لغة المهرب

يجسدها المهرب وزان الذي يشتغل بالتهريب على الحدود التونسية الليبية، وهو يقر بذلك «خدام وخدمتي التهريب… أهرب كل شيء، لا شيء عندي غير صالح للتهريب».
متحديا الدولة مؤكدا حاجة الناس لخدماته من مختلف طبقاتهم ورافضا الإفصاح عن شبكته التي يعتمدها: «مرة أخرى لن تجدوا عندي أي اسم لن تعثروا على أي عنوان ليس لي جهة محدودة كل الجهات لي ولا استعمل البوصلة». مبرزا أن عمله لا يستثني شيئا بما في ذلك السلاح: «كل شيء عندي صالح للتهريب، بشرا أمواتا أو أحياء جملة وتفصيلا حتى براز الحيوانات هربته «.

لغة الإرهابي:

يجسد هذه اللغة الإرهابي مؤذن، وهو شاب متعلم ونجل سجين سياسي ينتمي لحركة النهضة سجن زمن بن علي، وقد التحق بمعسكرات الإرهابيين في ليبيا، ثم عاد ونفذ تفجيرا إرهابيا في مبنى حكومي. وتكشف هذه اللغة ما يروج عن عقيدة هؤلاء الإرهابيين والجنة الموعودة التي تمت زراعتها في أذهانهم، إذ يقول له مرافقه وهو يبتسم: «هذه المحطة قبل الأخيرة في حياتك وبعدها ستنعم بالخلود». وهم في سبيل ذلك يفصلونه عن عوالمه ويقطعون صلته بها:
لقد عاهد الجماعة أن ينسى عالمه القديم، لكن صورة أمه لا تنفك تسكنه لم يستطع أن ينساها قالوا له عليه أن ينسى أن له أبا وأما وإخوة، فلا عائلة له غير الله الذي أسلم له نفسه ليضمن خلود الجنة.
لقد جعل الملوح هذه اللغات تتحاور وتتجاور وتشتبك راسما بذلك ملامح لحظة تاريخية تونسية معقدة وجارحة تشتبك فيها المصالح والرغبات وتسيل فيها دماء الأبرياء، ولعل الكاتب يمضي في اتجاه كشف التقارب بين الإرهاب والتهريب ويحاول الغوص في هذا العالم المتمرد الذي يرهق التونسيين ويزعجهم. فالتعدد اللغوي يصبح في الرواية أسلوبا لكتابة المحتمل وربط الرواية بواقعها وهو باب للتوغل في خفايا الواقع.

٭ كاتب تونسي

«كبابيل الآخرة» لعبدالوهاب الملوح: لعبة التعدد اللغوي لكتابة اللحظة التونسية

رياض خليف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية