كباريه بديعة الصيفي… في 2035

حجم الخط
0

عمان – فراس حمدان: لا ذكر أبداً متى تعلّمت الرقص. نحن الجيل الذي سبق الفضائيات، لم يكن لدينا في طفولتنا خيارات الترفيه المتاحة اليوم. أذكر تماما ألوان وأسماء أشرطة الكاسيت التي كانت تحتل مساحة لا بأس بها في خزانة التلفزيون. الأغاني في بيتنا كانت جزء من يومياتنا، و من هنا بدأت أرقص.
فأنا لم أتعلم الرقص يوماً بل كان شيئاً يشبه فكرة تطور قدرات واستجابات الطفل، مثل النطق أو المشي.
تشاركت الرقص مع جدّتاي اللاتي تعلقت بهما كثيراً، وأطربتني أغاني كثيرة كانتا تدندناها قبل أصوات المطربين، اعجبت بولعهن بفريد الأطرش. كنت أستمتع بمشاهدته يؤدي وصلاته الغنائية في الأفلام. دائما ما ترافقه راقصة أو أكثر في كل مشهد.
لم أفقد شغفي للموسيقى والرقص البلدي في سنين مراهقتي، بل كان وجود الإنترنت والفضائيات عاملاً أساسياً في تشكيله وتغذيته. ما معنى كاريوكا؟، ولماذا سمّيت هكذا؟، لماذا يغّير الفنانون أسمائهم؟ كيف بدأوا مسيرتهم؟، ومن كان يذهب إلى الكاباريه ليشاهدهم؟، وما الفرق بين الكازينو والكباريه؟، وما الفرق بين الراقصه والعالمه؟ كيف ممكن أن تتوازن الراقصة مع شمعدان فوق رأسها؟. كل هذه الأسئلة وغيرها كانت تدور في رأسي، وكنت دائما ألجأ إلى الإنترنت لمعرفة الجواب. فمن غير الانترنت لن يحكم على أسئلتي، أنا الشاب المراهق الذي ما زال يبحث ويدرك كل ما يتعلق بالهوية، وتبعات تعريفها وصياغتها.
كانت بديعة هي العنصر المشترك بين كل تلك الأسئلة. إذا بديعة الأرتيست، والمعلمه، وصاحبة الصالة إختزلت كل هذه الأسئله في شخصها. أنا لم أر بديعة في حياتي ولم أسمعها من قبل. ولكنني قادر على تمييّز موسيقى فريد بالإضافة إلى حركات بطن تحية كاريوكا التي تتمايل على أغانيه. فريد وتحية كانا جزءاً من الجامعة المصابنية في شارع عماد الدين القاهري في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي.
بديعة تلك التي أشبهها كثيراً في إختلاط الأصول والجنسيات، فهي اللبنانية التي ولدت في الشام في فترة لم يكن بين أبناء المدن في تلك المنطقة حدوداً يقطعونها أو يتعصبون لها. لم أعاصر في حياتي أحداً عاش في تلك الحقبة، عندما كان للإنسان حرية في التنقل من حلب إلى صيدا أو من نابلس إلى الموصل بلا جواز سفر أو حدود. أحن كثيراً لتلك الحرية في التنقل.
عاشت بديعة تلك الحرية في التنقل ولكنها لم تتحرر بسهولة من الشرف. هي التي أغتصبت طفلة وإضطهدت وعانت الفقر، أسست فناً ومدرسة لم يأتي لها شبيه في تاريخ الفن الإستعراضي المعاصر. فكل من تلى تلامذتها من فريد وتحية وسامية أو إسماعيل ياسين كانو نسّاخ لما سطّرته بديعة من أسلوب الإستعراض والغناء. إذاً صاغت بديعة شرفها بطريقتها و أعادة تعريفه بطريقتها. فالعطاء شرف، والتطوير شرف، و الفن شرف.
قدّمت بديعة فنّاً مختلط الهوية. فهي من دمجت التخت العربي بالأوركسترا الغربية، تبعاً لما كانت تحمله منطقتنا من تنوع ثقافي و إثنيّ في ذلك الوقت. فقد تهاوت الدولة العثمانية، و جاءت الحدود وجوازات السفر والجنسيات. و أصبح من يعيش في القدس القاهرة أو بيروت متعرضاً لموسيقى ذات طابع أوروبي بعد أن كانوا يسمعون موسيقى تشبه الذوق التركي بالمقامات و الصوت. فأصبحت بديعة تقدم على مسرحها استعراضات متنوعة من الرقص البلدي إلى السامبا أو الكاريوكا. لم تكن بديعة ترتدي لباس الراقصات بل كانت ترقص بفساتين سواريه. كانت تشبه عصرها المختلط في هويته. ولم تتدعي الأصالة أو الصدق بل مارستهما ووظفت تنوّع هوية المنطقة في خلق فن مصابني بديع. و بتلك الهوية الخاصة، تحوّل إسم الكوبري الإنكليزي في جيزة القاهرة إلى كوبري بديعة. فلم يقتصر مجدها داخل حدود جدران كباريه بديعة بل تمدد في شرايين المدينة و أهلها.
والحال أن بديعة لم تكن مجرد أرتيست. فعميدة الرقص الشرقي، صاحبة المسرح الصانع للنجوم كانت أيضاً أول من قصت شعرها من البنات العربيات وقادت سيارة وركبت الطائرة. كنت دائماً محط اعجاب بالشخصيات النسائية المميزة، من العائلة أو المجتمع أو المشاهير، ولطالما دوّنت أساميهن وفهمت معانيها وربطتها في شخصياتهن. وكان اسم بديعة مميزاً لم أسمع به قبل معرفتي بها.
وفي حال سمعت إسمها رسمت ببالي هيئة الكباريه و الذي لم أره بكامل تفاصيله، من الرجال أصحاب القامات الرشيقة ببدلات السموكين التي كانت سائدة، والنساء بمجوهراتهن وفساتينهن الكلاسيكية، أو الأرضيات التي أتخيلها ذات بلاطة سوداء وأخرى بيضاء، كتلك التي تظهر في أفلام ليلى مراد.
حتى إنني أشتم رائحة السيجار والشامبانيا وأراها من على خشبة المسرح بشعرها الفاتح اللون ترقص وتتمايل على أنغام إسبانيولية بروح شرقية مرتدية فستانها السواريه ذو الصدر المكشوف و يديها اللتين تحركان السقاط (الفقاشات) بتناغم مع حركة خصر كل راقصة ترقص خلفها كخلفية بديعة «ست الكل».
أحلم دوماً بأن أمتلك كباريه بأغانيه و رواده وحكاياته التي لا تنتهي. فأنا منذ صغري أبرع في تقمص الشخصيات أمام المرآة. وربما تظهر إنعكاسات «بدعدع « في يومٍ ما و يعيد الزمن في ثلاثينيات المقبلة من القرن الحالي حالة مشابهة لكابريه بديعة، بصاحب صالة وأرتيست بذقن خشنة وبنية ذكورية بهوية مختلطة تشبه تماماً جيلاً يشاركه حب الفن والموسـيقى والإسـتعراض.

 

كباريه بديعة الصيفي… في 2035

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية