■ يمكن أن نعتبر كتابة العنف في السرد العربي انخراطا في جماليات القبح، تلك الجماليات التي تتخذ جوهرها من القبيح والسيئ والمزعج، عكس الجماليات الحالمة التي تصور السعادة والفرح واللذة والمتعة. ولعل بروز هذا التوجه في الكتابات المعاصرة يندرج ضمن كتابة واقعية تصور الواقع وترسم ملامحه، وهي في النهاية كتابة مشحونة بالرفض والاحتجاج والتأفف من الراهن، فصعود كتابة العنف انعكاس لليومي وما فيه من ظواهر. ولعل هذه المجموعة القصصية الموسومة بـ«رفاق الشمس» لفاتن كشو لا تخرج عن هذا المسار، ذلك أنه نادرا ما تخلو واحدة من أقاصيصها من لحظة عنف. وما من شك في أن دراسة هذه المواقف العنيفة تميط اللثام عن جانب من عالم المعنى في التخييل القصصي للكاتبة، وتكشف ما تضعه بين السطور من رسائل ومواقف.
عنف السلطة
تبدو صورة السلطة في الأدب العربي صورة قامعة، فكثيرا ما صور الكتاب العرب القمع السلطوي، وهو قمع لا يقتصر على السلطة السياسية وأجهزتها وفضاءاتها، ولكنه يهتم أيضا بالسلطة الاجتماعية، فكثيرا ما كان فضاء البيت فضاء قمع والتبست صورته بصورة السجن، ولعل ذلك يدخل نظريا في إطار النظرة الحديثة للفضاء السردي، فلقد كفت الدراسات الأدبية عن النظر إلى المكان كمجرد فضاء وإطار للأحداث، بل غدا النظر إليه باعتباره من مفاتيح النص ومركزا من مراكز الدلالة يجب عدم إهمال بعده السيميائي والرمزي، الذي يقربنا إلى عالم المعنى. وقد تحول فضاء البيت، خصوصا في الكتابات النسائية، إلى فضاء قامع تستبد فيه السلطة الأبوية والزوجية، وتمارس بدورها عنفا ماديا ومعنويا. ولعلنا نقابل هذا العنف في قصة «جوف الليل» إذ تتعرض الفتاة إلى تعذيب وتعنيف الأب عقابا لها على علاقة عاطفية، وهو عنف مادي يقوم على الضرب، «أمسكني من شعري وجرني على الأرض وكال لي اللكمات ثم جثم عليّ وخنقني بكلتا يديه حتى أظلمت الدنيا في عيني وتهجدت أنفاسي وكادت تنقطع».
وفي الوقت نفسه يصبح هذا العنف معنويا ونفسيا يتمثل في سوء المعاملة والحبس:
«مرت الأيام سوداء كالحة وكنت حبيسة البيت لا أغادره وألقى معاملة الخادمات».
فالبيت في هذا المشهد وغيره فضاء عقاب وعنف وتسلط، وهو لا يختلف عن فضاءات القمع السلطوي… هذا الذي لا يغيب عن السرد العربي وعن هذه المجموعة، حيث تصور قصة «كلمات» مشاهد قمع الشخص الموقوف والمعاملة السيئة التي يتلقاها «لم يكد ينهي كلماته حتى انهال عليه أحدهم صفعا بكف يده على وجهه». وتضيف الكاتبة واصفة هذه الممارسة التي تتغذى من ذاكرة القمع في البلاد العربية «سحبوه نحو الخارج بعد أن كبلوا يديه وأركبوه في سيارة الشرطة التي انطلقت مسرعة تشق مدينته بنزرت في ذلك الفجر الشتوي البارد».
العنف والشرف
إذا كانت طائفة من المشاهد تصور العنف كممارسة سلطوية فطائفة أخرى تربط بين العنف والشرف، فالعنف ممارسة لحماية الشرف الاجتماعي، فهو عنف يمارس على الجسد لعقابه على ممارسة اللذة الحرام في المعتقد العربي، وهو ما يفسر معاملة الأب لابنته في القصة الفارطة بسبب تفطنه لعلاقتها العاطفية مع أحد الشبان، ونجد نموذجا آخر لهذا العنف في قصة «حلم امرأة واحدة» حيث يعنف الزوج زوجته ليلة العرس بعد اكتشافه إنها ثيّب: «تلك الليلة ليلة العمر المنتظرة هوت يده على وجهي في صفعة مزلزلة اهتز لها جسدي العاري المرتعش….».
وتضيف: «أمسكني من شعري الطويل الناعم الذي طالما داعبه وطالما مرر يديه فوقه، والذي سيشهد دائما على جرائمه وجرائم غيره، وسحلني على أرضية الغرفة وهو يصيح: الليلة ستعترفين بكل شيء وتخبرينني من كان صاحب الفعلة».
العنف القتل والاغتصاب
ولعلنا نرصد في هذا المجال تحول العنف إلى قتل واستهانة بالأرواح البشرية لأسباب مختلفة، ومن مظاهر هذا العنف ما اتصل منه بظاهرة الإرهاب وقد أصبحت كتابة عنف الإرهاب من الظواهر اللافتة في السرد العربي المعاصر تناغما مع ملامح المرحلة، وما تشهده المنطقة وهو ما نجده في قصة «أبحث عن نور» حيث يحصل تفجير يسفر عن قتلى وجرحى: «خلال لحظات خطف بصري ضوء ساطع ودوى صوت مزلزل انخلع إثره قلبي، قبل أن افقد الوعي حين صحوت وجدت نفسي على سرير في غرفة في مستشفى الحروق وأخبرني الممرض أن عدد ضحايا الانفجار كان ثمانية قتلى وثلاثة وعشرين جريحا وكنت من بينهم، وأن جسد الإرهابي تمزق وتفتت إلى أشلاء صغيرة محترقة بأرضية الحديقة». ومن مواقف العنف الأخرى ما تعلق بقتل الابن لأبيه أو قتل المرأة للشخص الذي كان بصدد مضاجعتها أو اغتصاب بعض المجرمين لطــــفلة صغــــيرة في خنجر من عمق الماضي: «فتاة الخمس سنوات تقع بين يدي منحرفين يقـــــتربان من ســـن الثلاثين، أحكما غلق باب غرفة وأجلساها عارية دون ملابس على طرف السرير». ولعل تأمل هذه المشاهد يحيل إلى استفحال ظاهرة الإجرام في المجتمع العربي، حيث يمتد العنف من مجرد عنف ضد الجسد إلى عنف ضد الروح.
صفوة تأمل مشاهد العنف في هذه المجموعة القصصية أن «رفاق الشمس» مجموعة قصصية تحاول كتابة العنف المسلط على الإنسان العربي، وهو عنف سياسي واجتماعي وثقافي، وهي تسلط الضوء أكثر على العنف المسلط على المرأة وهو عنف متعدد ويتمحور حول الجسد.
٭ ناقد تونسي
رياض خليف