كتابة مرايا نسوية وبحث عن شهرزاد

حجم الخط
0

تبدو رواية واقعية التوجه تحاكي واقعا محليا اجتماعيا مألوفا وتطارد حكايات متنوعة لنماذج نسائية مختلفة، وهي بالتالي تندرج في إطار الكتابة النسوية ليس بمعنى إنها مكتوبة من طرف امرأة وإنما بالمعنى الاصطلاحي للأدب النسوي المختص بمشاغل المرأة والمتحمس لثقافة تحرير المرأة.
فثمة تجاذب لأطراف الحديث يثير قضايا نسائية متنوعة مثل الزواج والطلاق والعلاقة مع الزوج وغير ذلك، مما عد من مواضيع الخطاب النسوي العربي… ويمكن للقارئ استكشاف هذه المواضيع بيسر. لكنني في هذا النص سأحاول التعامل مع بعض ما في خطاب الرواية من مميزات فهي تحاول الخروج عن السرد الرتيب ونسج خصوصية لسردها ولكتابتها تتأرجح فيها بين النموذج التقليدي للسرد النسائي العربي وبين تقنيات السرد الجديد.

أثر شهرزاد

تتعقب الروائية هدى حمد أثر شهرزاد رمز الحكاية النسائية عند العرب براو ضمني يكاد يصيح معلنا انتسابه إلى شهرزاد ويجعل ما يرويه نصوصا مهملة أتلفها من قام بجمع مصنف حكايات «ألف ليلة وليلة».. فثمة صلة ما بين هذا المصنف التاريخي والرواية – ولكن الأمر ليس تقليدا أو محاكاة على كل حال ـ فهما يلتقيان في الموضوع وهو المرأة وعلاقاتها وفي صيغة السرد وهي البوح والاعتراف والدخول إلى المناطق السرية من التجربة الحياتية، ولكن رواية هدى حمد لا تقصر الأمر على المغامرات الغرامية ولا تتخذ ذلك البعد الملحمي. إنها اعترافات لنساء عاديات يروين قصصهن مع الحياة اليومية وحكاياتهن مع أزواجهن وأسرهن. كما يلتقيان في زمن الحكي الذي يحيل على الليل «في هذه الليلة تفتح السندريلات أبواب الغرف السرية ليحكين كل ما يعبر… لا يمكن لأي سندريلا أن تكتم حكايتها الليلة. إن ذلك فأل سيئ».
لعل الأمر يدخل في باب التناص والتفاعل النصي من جهة ولعله محاولة للبقاء في نموذج السرد الشهرزادي باعتباره نموذجا تاريخيا… والحقيقة أن هذه الرواية لا تخلو من التناص والأصداء القديمة التي تتردد، خصوصا منها ما يتعلق بحكاية سندريلا أو قصة البطة القبيحة وأسطورة الجنيات التي تقيم في المخيال العربي فعلى سرير المرض «مرت الليلة الموحشة ولم يحصل شيء بينما كانت الجنية تتمشى في دمي… في صباح اليوم التالي كان الطبيب متعجبا من الجسد الضئيل الذي بدأ يتعافى ويفارق انطفاءه الحاد. بدا الجسد على غير المتوقع يزهر يوما بعد يوم، صرنا أنا والجنية جسدا واحدا.. جسدا يقظا للفتنة يقظا لمخالب الدنيا وربما بسبب الجنية التي تتمشى في دمي تحولت ببساطة من دون عناء كثير إلى سندريلا».
لعل هذا المقطع يحط بنا عند المتخيل العجائبي في المجتمعات العربية وصورة الجن وما يحاك حولها من حكايات وأساطير «كم كان يسعد الجنيات أن يلتبس الأمر على أحدهم فيصرخ: هناك جنية».
فثمة حرص لتوظيف هذا البعد العجائبي وتوجه لإخصاب الرواية بالمعتقدات التقليدية وهو مبحث آخر يمكن اقتفاءه ويدخل في اطار توظيف الرواية للتراث الشفوي والمعتقدات الشعبية والتقاط صور من المتخيل اليومي… ولعل مقابل هذه القدامة تستعيد الكاتبة نصوصا أخرى بات تأثيرها في العقل العربي واضحا وهو ما نبرهن عليه بحكيها عن المسلسل المكسيكي التلفزيوني الذي أحدث رجة في العائلات العربية بداية الترويج للعولمة، حيث نجد حديثا عن حضور شخصيتي «انا كريستينا» واليخاندرو في العائلة وما يعنيه ذلك من بداية تصدع اجتماعي وعاطفي.

تعددية نسوية

تخرج الرواية عن السرد الأحادي وتفسح المجال لتعدد سردي يتيح البوح والاعتراف ويفسح المجال للذات لتعبر عن أعماقها فالشخصيات الروائية تتولى السرد بنفسها وتسجل حضورها إلى جانب الراوي المؤنث كي تحكي وتروي فكل واحدة تحكي قصتها فالرواية تستقبل للحكي «السندريلات العجيبات والمختلفات في الأعمار والقرى التي جئن منها معا… السندريلات الدائخات بالقصص الطريفة والمزعجة على حد سواء…».
ولعل هذا ما ولد في الرواية حوارية نسائية أو تعددا للغات النسائية ليس بالمعنى اللساني النحوي، وإنما بالمعنى الباختيني الذي يعتبر الكلمة في الرواية عينة أيديولوجية مشحونة بتوجه معين وتفوح منها رائحة الانتماء الاجتماعي والمهني والحزبي وغير ذلك… فتقابلنا في الرواية لغات متنوعة (المرأة المثقفة والمرأة المتحررة والمرأة الثرية والمرأة الريفية والمرأة الحضرية والمرأة المحافظة ولغة المرأة المتمنعة والمرأة المضطهدة والمطلقة ولغة المرأة «الناشز»…) وغيرها من اللغات التي تعبر عن اختلافات الواقع النسوي وتحولاته فلكل لغتها الاجتماعية وتجربتها مع الحياة والرجل والجسد والأرض. ولعلها محاولة لمقاربة العالم النسوي وتفكير فيه في ظل تغير الظروف وتبدل الممارسات والتقاء الأضداد. والملاحظ في الرواية أن الكاتبة حاولت توظيف الخطاب الواصف أو «الميتا روائي» وهو خطاب يسجل حضوره في السرد الحديث فهي تحكي عن مناخات الحكي وتطرح أسئلة الكتابة «أنا أكتب لأسباب تتعلق ببئر عمتي مزنة فمنذ أن جف حبرها وأنا أكتب… أكتب دونما انقطاع… كثر لا يحبون كتاباتي».
صفوة القول إن هدى حمد نسجت في «سندريلات مسقط» رواية نسوية بأســـــلوب حديث هو الأسلـــوب الذي يتخلص من الخطاب الأحادي ويضخ الرواية بالتعدد الفكري ويلتقي مع عوالم وتقنيات السرد الجديد.
«سندريلات مسقط» – رواية – دار الآداب بيروت 2016

٭ باحث تونسي

كتابة مرايا نسوية وبحث عن شهرزاد
رواية «سندريلات مسقط» لهدى حمد
رياض خليف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية