كتاب أنطوان سعد «بقاء المسيحيين في الشرق خيار إسلامي»: الأديان تتنافس على حساب العوامل الطبقية والاجتماعية

حجم الخط
1

 

شاع في السنوات الأخيرة توجه فكري وتحليلي يتناول القضايا السياسية والاجتماعية في الشرق الأوسط من منطلق أوضاع وصراعات الأديان والطوائف. فصارت المعطيات الأساسية للأبحاث العلمية في هذا المجال تعتمد من دون جدل على مبدأ قائل بأن المجتمعات العربية والإسلامية مكونة بشكل شبه حصري من مجموعات وكتل دينية وطائفية تسعى كل مجموعة منها للسيطرة على الأخرى.
وصَدرت شلة من الدراسات والكتب التي تتناول صراعات الأديان والطوائف غاب فيها المنهج القائل بان المجتمعات عموماً مكوّنة أيضاً من طبقات اجتماعية ومؤسسات مدنية تدافع عن حقوق المنتمين إليها عموماً، ولا تقتصر المجتمعات على طوائف أو قبائل أو إثنيات محددة فيها، وان هذه الكيانات قد تتنافس وتتصارع ديمقراطياً وسياسياً فيما بينها لتحسين وتطوير وتنمية مجتمعاتها.
كتاب الصحافي ومقدم البرامج على شاشة «ام.تي.في» اللبنانية انطوان سعد، بعنوان: «بقاء المسيحيين في الشرق خيار إسلامي»، الصادر عن «دار سائر المشرق» في لبنان (عام 2016)، الذي يلقى رواجاً في لبنان منذ صدوره قد يندرج في هذا السياق، علماً ان كاتبه أنجزَ دراسات جامعية في الصحافة والفلسفة والتاريخ وأصدر كتباً عن البطريرك نصر الله صفير والاباتي بولس نعمان والوزير السابق فؤاد بطرس وهم من الشخصيات اللبنانية البارزة.
المقاربة الأساسية لكتاب سعد هي ان المسيحيين في الشرق وحتى في لبنان أصبحوا فاقدي القدرة في العديد من المجالات التي كانت قدرتهم فيها أفضل في الماضي، وأنه على المسلمين العرب واللبنانيين، وخصوصا نخبهم المستنيرة وقواهم المعتدلة الوسطية، مساعدتهم على استعادة ادوارهم الماضية الأكثر فعالية وعدم تركهم وترك انفسهم ضحايا لسطوة الاتجاهات الدينية والسياسية المتطرفة الساعية إلى ابتلاع وجودهم.
يقول سعد في مقدمة كتابه: «ما يعرفه كثيرون ولا يقوله أحدٌ، ان الحضور المسيحي في منطقتي الشرق الأدنى والأوسط إلى أفول محتوم إذا استمرت الأمور على عواهنها». ويضيف: «الجواب على هذا التحدي الكبير يكمن فقط لدى النخب الإسلامية المؤثرة في التوجهات السياسية والدينية في الدول العربية». التي عليها في رأيه ان تردّ بصراحة على السؤال الواضح والمختصر التالي: «هل تريد بقاء المسيحيين في منطقة المشرق العربي؟» وهل ترغب «الحفاظ على التعددية الدينية في المشرق العربي؟».
لا يوضح الكاتب عن أي طبقة اجتماعية أو اقتصادية من المسيحيين يتحدث، أو عن أي مجموعة سياسية واقتصادية من المسلمين المطلوب منها تحسين الأوضاع، إذ أنه يتناول مجموعات مسيحية وإسلامية واسعة في الدول العربية المختلفة واضعاً كلاً منها في بوتقة واحدة.
فمَنْ يؤكد أن الأقليات المسيحية المحدودة العدد في لبنان المنتمية إلى الطبقات الميسورة اقتصادياً واجتماعياً تعاني مشاكل الاقليات المسيحية الكبيرة العدد وذات الدخل المحدود والمهمشة إقتصادياً في البلد نفسه؟ (مثلاً البروتستانت والسريان واللاتين بالمقارنة مع الموارنة والروم الارثوذكس). يتحدث سعد في القسم الأول من الكتاب عن أنّ الإسلام في المنطقة عموماً لم يكن الغائياً للمسيحية، وان «نظام الملل» الذي فرضته الدولة العثمانية على الدول العربية قبل سقوطها (بعد الحرب العالمية الأولى) خفّف وطأة الضغط على المسيحيين ولكنه ربما ساهم في اضعاف الدولة العثمانية متيحاً تدخل الدول الأجنبية الغربية لحماية الأقليات في المنطقة، بحيث أصبحت كل دولة استعمارية أجنبية حامية لطائفة من الطوائف في لبنان وسوريا والعراق والمنطقة عموما. ولكن برغم ذلك حدثت مجازر بين الطوائف أدت إلى هجرة مسيحية تبعتها هجرة من الطوائف المسلمة، ولا يركّز الكاتب على الطبقات الاجتماعية التي هاجرت من الطوائف المختلفة.
وفي القسم الثاني من الكتاب يتحدث عن واقع المسيحيين في المشرق العربي في كل دولة على حدة، قبل وبعد الانقلابات العسكرية والثورات التي حدث معظمها في منتصف القرن العشرين، فيقول ان مسيحيي فلسطين تقلصوا ديمغرافياً وتقلصَ دورهم السياسي بعد نشوء دولة إسرائيل ولكنهم حافظوا على وجودهم الثقافي والإعلامي وقاوموا الاحتلال سلمياً.
أما في العراق، فاعترض المسيحيون، حسب قول الكاتب، ضد اقتطاع منطقة الموصل من العراق لمصلحة تركيا بسبب كثافة وجودهم في شمال العراق.
وأضاف أنهم (اي المسيحيين العراقيين) حصلوا على هامش من الحرية في ظل حكم البعث بقيادة الرئيس صدام حسين. ولعب بعضهم دورا في قيادة الدولة آنذاك (طارق عزيز مثلا) وفي الجيش العراقي. وقد حدثت هجرة مسيحية (بالإضافة إلى هجرة طوائف أخرى) من العراق بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين في العام 2003، وقد استضاف قسماً منهم (حسب قول سعد) أكرادُ العراق.
أما في مصر، فيعتبر سعد ان وضع المسيحيين فيه (ومعظمهم من الأقباط) كان وما زال صعباً. ويشير إلى ان اتفاق الرئيس انور السادات ومعاهدته مع إسرائيل أحرجت مسيحيي مصر فاحتاروا بين التأييد او المعارضة واتجهوا نحو الحياد والتحفظ، أما في الأردن، فحُظي المسيحيون هناك بمكانة محترمة وحسن تمثيل سياسي برغم قلة عددهم نسبياً وذلك في رأيه بسبب توجهات المملكة الهاشمية الأردنية الايجابية نحوهم وبرغم المعارضة محدودة من جانب جهات إسلامية أردنية.
ويرى سعد ان النزاع القائم في سوريا، منذ 2011 وحتى الساعة، شوّش المواقف بالنسبة لمسيحيي البلد، فقد كان وضع المسيحيين السوريين جيداً قبله وتأخر حالياً بسبب استمرار النزاع الميداني العسكري. كما كان وضعهم أفضل قبل انقلابات سوريا العسكرية التي بدأت عام 1949 واستمرت حتى انقلاب الرئيس حافظ الأسد عام 1970. ويعاني مسيحيو سوريا حالياً في رأي الكاتب، من عدائية «إسلاموية» برغم وجود مسيحيين بارزين في قيادات المعارضة السورية وفي أركان الدولة، علماً أن مجموعات سورية مسيحية في مناطق متوترة عسكرياً دُفِعَت إلى الهجرة القسرية أو الاختيارية.
وفي القسم الثالث من الكتاب الذي يركز على مسيحيي لبنان يقول الكاتب، ان اتفاق الطائف (1989) ادى إلى عكس ما توخاه الاتفاق، إذ حدث سباق بين الطوائف الأخرى على تقليص واضعاف دور مسيحيي لبنان. ولكنه يستطرد قائلا أن مسيحيي لبنان وخلافات قادتهم المتفاقمة تتحملان جزءاً من المسؤولية في ذلك.
ويثني الكاتب على الوضع في لبنان في ستينيات القرن الماضي وبعض سنوات مطلع سبعينياته حيث هيمنت سياسة الرئيس الراحل فؤاد شهاب المتوازنة بين الطوائف وهدأت الأوضاع. ولكنه ينتقد سياسات الرئيس الراحل الياس الهراوي في مطلع التسعينيات، وخلال هيمنة النظام السوري الأسدي على قرارات لبنان، ويفسّر سعد صعود شعبية العماد ميشال عون بين المسيحيين في لبنان إلى قيام قيادات السنّة والشيعة باقتسام التركة المسيحية بعد الطائف.
وفي الأقسام الأخيرة من الكتاب (4 و5 والخاتمة) يقع سعد في صعوبة تحليلية ناتجة عن محدودية منهجه في البحث إذ أنه حينما يقدّم طروحاته لتبديل وتحسين أوضاع المسيحيين في لبنان والشرق يقدم طروحات تقليدية تدعو إلى فتح المزيد من المجالات أمام الطائفة المسيحية في المنطقة وليس إلى تبديل البنية التحتية جذرياً في مجتمعات الشرق الأوسط. فيدعو إلى تعزيز الدولة المدنية في لبنان وإلى استفادة الدول العربية الأخرى من التجربة اللبنانية حيث يتفاعل النظامان الطائفي والعلماني وحيث تتعايش الطوائف كما فعلت في نهاية الستينيات في لبنان.
وينتقد عدم تجاوب حكومات ومجتمعات وأحزاب الدول العربية لتحسين أوضاع المسيحيين فيها بينما من المطلوب أيضا (حسب المنطق العلمي الاقتصادي والاجتماعي) تحسين وتعزيز أوضاع الطبقات الفقيرة في هذه الدول، مهما كانت طوائفها، وتوفير العمل لها وانشاء المصانع الفعالة والمنتجة وعدم إستثمار ثروات المنطقة في مشاريع غير منتجة ومفيدة فقط لنخبة قادة هذه الدول.
وبالتالي، فاقتراحات الكاتب لمواجهة الطائفية وضمان حقوق الأفراد في لبنان تسعى فقط لتحقيق لا مركزية إدارية وقانون عادل للانتخاب يعيد للمسيحيين حق انتخاب نوابهم بنفسهم، وإقرار تداول السلطة داخل قيادات الأحزاب وعدم الدوران في فلك الزعيم الطائفي أو الأثني.
ويبقى السؤال، لماذا يدور اللبنانيون المسيحيون وغير المسيحيين في فلك الزعماء؟ أليس لأن هؤلاء يساهمون في تأمين لقمة العيش لهم عبر توظيفهم ورعايتهم مادياً بفضل نفوذهم الحصري في نظام مطلوب تعديله؟ وهل يكفي تعديل النظام السياسي في لبنان أو غيره من دون تعديل التوجه الاقتصادي والاجتماعي في هذه الدول عموماً؟
ومن الأمور المطلوبة في مجال الأبحاث والدراسات، التركيز مجدداً على النهضة الفكرية التي انطلقت في لبنان وبعض الدول العربية في نهاية ستينيات القرن الماضي ومطلع سبعينياته والتي توجهت نحو دراسة ومحاولة معالجة أوضاع الطبقات الاجتماعية الفقيرة والحركات النقابية وضرورة انتقال المنطقة من حقبة الخضوع للقائد «الكاريزماتي» (الطائفي أو الأثني أو غير ذلك) إلى حقبة إنشاء المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الفاعلة والنقابات العمالية القادرة على تأمين الحقوق ومواجهة فساد الطبقات الحاكمة.
انطوان سعد: «بقاء المسيحيين في الشرق خيار إسلامي»
دار «سائر المشرق»، بيروت 2016
223 صفحة

سمير ناصيف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية