كتاب «بعثة إيرفد» للبناني جبرايل يونس: سيرة برنامج تنموي لم ينفذ

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي» من الصادق الرضي: يعيش اللبناني حال خداع مع نفسه بسبب نجاحه في حقل الأعمال والصفقات المالية، ما جعله يسلك سبلا غير مضمونة النتائج على المدى البعيد، مفهوم ضمن ستة مفاهيم سلبية هي الأكثر تأثيرا على سلوكية اللبنانيين، يليه، تخلي اللبناني عن تقاليده الموروثة، بفضل نشر التعليم والتطور التقني وسهولة المواصلات، وتسرّب أفكار عقائدية جديدة وحصر اهتمامه بتوفير التعليم العالي لأولاده، وحلمه في الوصول إلى مستوى عيش في القرى شبيه بما هو عليه في المدن؛ الروح الفردية تسيطر على اللبناني في المفهوم الثالث،
وهو ما يرى المؤلف أنه أمر يتنافى مع إمكانية إقامة مؤسسات لها طابع الديمومة، وتأليف تعاونيات وجمعيات أهلية تُعنى بالمصلحة العامة؛ الولاء للطوائف على حساب الولاء للوطن – الحذر من الدولة الذي ورثه اللبناني من العهد العثماني، الحكومة في نظره شرٌّ، وهذا الشرُّ هو سبب كل الشرور الأخرى- رغم قلة عدد سكان لبنان وضيق مساحته، إلا أنه بلد معقد التركيب على صعيدي السكان والاقتصاد، وله ميزات وخصائص معينة، لا تتناسب مع بلاد أخرى بسيطة التركيب، حتى إن كان عدد سكانها ومساحتها أكبر. هكذا يبدأ «جبرايل يونس» كتابه المعنون بـ «بعثة إيرفد .. الفرصة الإنمائية الضائعة»، وهو عمل شبه توثيقي يستعرض الاتفاق بين الحكومة اللبنانية ومؤسسة «إيرفد» الذي عُقد في الثالث والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول سنة 1959، حيث يقضي بقيام بعثة إيرفد بإجراء دراسة شاملة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، وإعداد برامج عمل على ضوئها، لتستنير بها الحكومة اللبنانية في تسيير أعمالها، جاء ذلك في إطار محاولات إرساء دولة المؤسسات في ستينيات القرن الماضي، دعا الرئيس «فؤاد شهاب» العالم الاقتصادي والإنمائي الأب «لويس جوزف لوبريه»، منشئ مؤسسة «إيرفد» ورئيسها، للقيام بعملية مسح شامل للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية أدت إلى وضع برنامج إنمائي هو الأول من نوعه في لبنان، بهذا المستوى العلمي وهذه الشمولية، لكنه للأسف لم ينفذ. ومؤلف الكتاب من مواليد (1931)، بعد أن تابع دورة تدريبية للإنماء في معهد إيرفد في باريس، وهو المُجاز في الاقتصاد والعلوم السياسية، عاون بعثة «إيرفد» في لبنان على اختيار الخبراء اللبنانيين وإدارتهم، كما عمل لدى البعثة في مجالي التوثيق الاقتصادي والعلاقات العامة (1960-1962). كذلك، شغل منصب رئيس المصلحة الإدارية في معهد التدريب على الإنماء في لبنان (1963-1964).

سيرة جوزيف لوبريه

«إذا كان الناس ينتظرون من العلماء أن يغيروا وجه التاريخ، فإنهم سيصابون بخيبة أمل كبيرة. أما إذا كانو ينتظرون من كل عالم أن يضيف لبنة إلى صرح التقدم فالأب لوبريه، أضاف لبنات عدة وتاجر بوزنات ربّه الخمس»، هكذا يبتدر المؤلف سيرة «الأب لويس جوزف لوبريه المولود في سنة 1897 المتطوع في البحرية والمتخرج ضابطا من المدرسة الحربية سنة 1917 قبل أن ينضم إلى سلك الرهبنة في سنة 1923، وقد أرسلته الرهبانية إلى دير للابتداء في مدينة ليون، حيث سيلتقي بفرنسوا بيرو، أستاذ الاقتصاد في معهد الحقوق في باريس وتنشأ صداقة بينهما توطدت واستمرّت مدى العمر. يعرض هذا الجانب في التعريف بالأب إلى تجربته في البرازيل سنة 1947، إثر تطويره لـ«علم الاقتصاد الأكاديمي» إلى «علم الاقتصاد الإنساني» بمفاهيم جديدة محورها الإنسان، بالعمل بجانب فرنسوا بيرو، وصولا إلى المفهوم الجديد «نظرية التنمية». أما مؤسسة إيرفد فتعتبر سنة 1958 تتويجا لكل أعمال الأب لوبريه، حيث شهد إنشاءها؛ وله مؤلفات: «أبعاد المحبة» سنة 1958؛ «انتحار أو بقاء الغرب» السنة نفسها؛ «مأساة العصر» سنة 1959؛ كما هنالك عرض عن تجربته في السنغال وفي الفاتيكان، قبل عرض تجربته في لبنان.
على مدى فصلين من الكتاب، هما الفصل الثاني والثالث يعرّف المؤلف بعثة إيرفد ويتطرق للسكان والناتج الوطني، المياه والمعادن، المواصلات والطاقة والتعليم، الصحة والزراعة والإنتاج الحيواني، الصيد البحري والصناعة، السياحة والاصطياف، التجارة الخارجية، المصارف والخدمات المالية، ميزان المدفوعات وموازنة الدولة؛ وينتقل بعد ذلك للفرق الميدانية والاستطلاعات الخاصة بالمشروع، تفصيلا يتناول: محافظة جبل لبنان، ومحافظة لبنان الشمالي، ومحافظة لبنان الجنوبي، ومحافظة البقاع، مستويات الحياة في الأرياف، مستويات الحياة في المدن، المشكلات العامة في المدن، مقارنة بين مستويات الحياة في المدن والأرياف.

التنمية .. إيجابيات وسلبيات

أما في الفصل الرابع من الكتاب فنقرأ عن العوامل الإيجابية والسلبية للتنمية وخطة تزويد الأرياف بالتجهيزات، وعن الخطة العامة وجدول الاقتراحات وخلاصة عامة، ونطالع في الخاتمة: ما قبل بعثة إيرفد وما بعدها. ثم هناك الملاحق المرفقة بالكتاب: ملحق أول تضمن تمهيدا ونموذجا لخطة قطاع الطاقة الكهربائية ونموذجا لخطة مياه الشرب، ملحق ثان تناول مؤتمر المغتربين المنعقد في بيروب 1964 وحركة بناء لبنان على قواعد علمية وتقنية عصرية، ملحق ثالث متعلق بخطة النهوض الاقتصادي في شقّين الأول ردّا على خطة النهوض الاقتصادي، والثاني تصدّى لسؤال «خطة النهوض إنماء أم سياسة؟» مضافا إليها الصّور والوثائق والمراجع.

٭ بعثة إيرفد- الفرصة الانمائية الضائعة- عن دار نوفل- بيروت 208 صفحات.

كتاب «بعثة إيرفد» للبناني جبرايل يونس: سيرة برنامج تنموي لم ينفذ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية